الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل صناعة الأخبار
الذكاء الاصطناعي يهدد بقلب نموذج إنتاج الأخبار التقليدي، مع انتقال المستخدم من متلقٍ لما تنشره المؤسسات إلى من يحدد ما يريد معرفته.
لعقود طويلة، اعتمدت الصحافة على نموذج واضح لإنتاج الأخبار؛ يجمع الصحفيون المعلومات، ويقرر المحررون ما يستحق النشر، ثم تقدم المؤسسات الإعلامية المادة نفسها لجمهور واسع.
لكن صعود الذكاء الاصطناعي يهدد بقلب هذه المعادلة، بعدما أصبح بإمكان المستخدم تحديد ما يريد معرفته، وترك مهمة البحث واختيار المصادر وصياغة الإجابات لوكلاء أذكياء.
هذا التحول لا يغير طريقة استهلاك الأخبار فحسب، بل يعيد توزيع السلطة داخل منظومة المعلومات، ويضع المؤسسات الصحفية أمام تساؤلات حول قيمتها الاقتصادية وقدرتها على الوصول إلى الجمهور.
3 مستويات تعيد تشكيل الصحافة
يطرح تقرير تصورا لمستقبل الأخبار يقوم على 3 طبقات مترابطة، تختلف عن النموذج التقليدي الذي كانت فيه المؤسسة الإعلامية مسؤولة عن إنتاج المعلومات وتحريرها وتوزيعها.
تتمثل الطبقة الأولى في المنتجات التي تتعرف على احتياجات الجمهور، من خلال الأسئلة التي يطرحها المستخدمون أو اهتماماتهم وسلوكهم الرقمي. أما الطبقة الثانية، فهي أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تجمع المعلومات من مصادر مختلفة، وتختار ما تراه مناسبا، ثم تقدم إجابات مخصصة لكل مستخدم.
وتضم الطبقة الثالثة المؤسسات التي تنتج المعلومات الأصلية، وفي مقدمتها غرف الأخبار والجهات البحثية ومصادر المعرفة المتخصصة. ويشير التقرير إلى أن المؤسسات الصحفية اعتادت السيطرة على هذه الوظائف مجتمعة، لكنها قد تصبح في المستقبل مجرد طرف ينتج المعلومات ضمن منظومة تتحكم فيها جهات أخرى بكيفية تقديمها للجمهور.
أخبار لم تكن تستحق النشر اقتصاديا
يرى التقرير أن التحول قد يحمل فرصا لفئات لم تكن الصحافة التقليدية قادرة على تلبية احتياجاتها؛ ويضرب مثالا بولي أمر يسمع عن خفض ميزانية مدرسة طفله، ويريد معرفة ما إذا كانت حصص الفنون ستستمر؛ فهذه المسألة قد لا تستحق تكليف صحفي بإعداد تقرير مستقل، لأنها تهم عددا محدودا من الأسر.
لكن نظام ذكاء اصطناعي مصمما بصورة جيدة يمكنه جمع المعلومات المتاحة من التغطيات والوثائق والسياقات ذات الصلة، وتقديم إجابة تراعي ما هو معروف وما لا يزال غير مؤكد؛ ويمتد الأمر إلى المجتمعات التي لم تحظ قضاياها باهتمام كاف من وسائل الإعلام الكبرى.
وبحسب التقرير، تستطيع الأنظمة الذكية المساعدة في سد بعض هذه الفجوات إذا أتيح لها الوصول إلى معلومات موثوقة ومتنوعة تعكس احتياجات المجتمعات المهمشة. كما يحذر من أن الأخبار المتاحة لدى مصادر متعددة ستفقد جانبا متزايدا من قيمتها التجارية في بيئة يستطيع فيها الذكاء الاصطناعي جمع المعلومات وتلخيصها.
لكن الباحثتين لا تدعوان إلى التخلي عن التغطيات اليومية، ومنها متابعة المجالس المحلية والمؤسسات الحكومية، بل إلى تطويرها بحيث تقدم ما لا يمكن استخراجه بسهولة من محاضر الاجتماعات أو البيانات الرسمية. ويخلص التقرير إلى أن المؤسسات الإعلامية تحتاج إلى إعادة تعريف دورها، بالانتقال من التركيز الحصري على إنتاج المواد الصحفية إلى فهم ما يريد الجمهور معرفته، وتحديد الفجوات المعلوماتية التي لا تلبيها المصادر التقليدية.