كيف تحولت الصين إلى مصنع العالم
تحولت الصين إلى مركز صناعي عالمي بعد إصلاحات زراعية وصناعية بدأت بحيلة فلاحية في 1978، ثم توسعت مع المصانع والعمالة الرخيصة.
تحولت الصين إلى «مصنع العالم» عبر مسار بدأ بإصلاحات زراعية في 1978، ثم توسع مع المصانع والعمالة الرخيصة وتراكم الخبرات الصناعية عبر العقود.
ففي عام 1978، قرر فلاح يدعى يان هونغ تشانغ الاتفاق مع 17 من فلاحي قريته للالتفاف على نظام العمل بالنقاط في أراضي القرية، والذي لم يكن يضمن دخلا كافيا للفلاحين. وبعد أن كان الفلاحون يعملون معا في الأرض مقابل نقاط تعادل ساعات العمل بغض النظر عن حجم الإنتاج الفردي، قرر يان تشانغ تخصيص قطعة أرض لكل فلاح سرا، بحيث يدفع كل فلاح النسبة الحكومية من محصول القطعة التي يتولى زراعتها ويحتفظ بالبقية لنفسه.
وكانت عقوبة مخالفة قانون الزراعة تصل إلى الإعدام، لكن الحيلة التي ابتكرها يان تشانغ لرفع الدخل زادت المحاصيل ومعها دخل الفلاح من 22 يواناً (نحو 3 دولارات) إلى 400 يوان (نحو 55 دولاراً)، وهو ما لفت نظر الحكومة. ورغم قوة قوانين الصين الشيوعية، فإن الزعيم الصيني دينغ شياو بينغ قرر تفعيل نظريته التي تقول "إن لون القطة ليس مهما، المهم أن تصطاد الفأر"، فلم يعاقب الفلاحين وإنما تبنى الفكرة وطبقها في أنحاء البلاد تحت اسم قانون "المسؤولية الأسرية عن الإنتاج".
توسع التصنيع
وخلال 5 سنوات فقط (1978-1984)، زاد إنتاج الصين من المحاصيل من 305 ملايين طن إلى 407 ملايين طن (25%). ومع هذه القفزة، أبدى الفلاحون اهتماما أكبر بزيادة الإنتاج وجودة المحاصيل فبدؤوا الاعتماد على التكنولوجيا المتطورة، وهو ما أدى في النهاية إلى إحلال الآلة محل ملايين الفلاحين.
وبدلا من أن يتحول هؤلاء الفلاحون إلى عاطلين، فقد ذهبوا للبحث عن أي عمل بعيدا عن الريف، ليتحولوا إلى قوة عاملة في المصانع الصينية التي لم تكن موجودة أصلا، حتى قرر صاحب مصنع حقائب يد في هونغ كونغ يدعى زانغ زيمي الاستفادة من هذه الأيدي العاملة الرخيصة. وبالفعل، ذهب زيمي إلى حكومة بكين يحمل 3 ملايين دولار هونغ كونغي (نحو 387 ألف دولار)، وعقد معها اتفاقا ينص على التزامه بتوفير التصميمات والمادة الخام مقابل التزام الصين ببناء مصنع وتوفير العمال، وهكذا تأسس مصنع "تايبينغ" المعروف للحقائب.
وبناء على هذا الاتفاق، كانت الصين تحصل فقط على أجور العمال بينما يحصل زيمي على الربح كاملا تقريبا. ومع الوقت حذا آخرون من هونغ كونغ حذوه، فتأسست عدة مصانع صغيرة في الصين غالبا ما كانت تقام في البيوت الخالية، ثم سمح بفتح 4 مناطق اقتصادية خاصة صغيرة على الساحل، ومنح المستثمرين الأجانب تسهيلات كبيرة لتشجيعهم على فتح مصانع جديدة لا تخضع للقوانين الصينية.
ومع الوقت، كانت أوضاع الفلاحين قد تحسنت بسبب نظام الزراعة الجديد وأصبحت لديهم فوائض مالية، فقرر بعضهم فتح ورش صغيرة لصناعة الملابس أو الطوب لزيادة الدخل، وهو ما عُرف لاحقا باسم "شركات الريف والبلدات"، التي ارتفع عدد العاملين فيها من 28 مليونا عام 1978 إلى 135 مليونا عام 1996. ويقدر إنتاج هذه الورش بربع الاقتصاد الصيني، فضلا عن دورها في تعليم الفلاحين فنون الصناعة والصيانة وتصليح الأعطال وإدارة العمال وخطوط الإنتاج.
ومع تتابع حركة الإنتاج هذه اتسعت الدائرة وانتقلت الصين إلى مكان آخر. ففي منتصف الثمانينيات، كان الفلاحون في مدينة داتنغ ينتجون بعض الجوارب في بيوتهم بعد العمل في الحقول، لكن المدينة اليوم تنتج 25 مليار زوج من الجوارب، تعادل 70% من إنتاج الجوارب في الصين وثلث إنتاج العالم سنويا.
واليوم، أصبحت الصين تمتلك خبرات في كل مجالات التصنيع تقريبا مما يجعلها المكان الذي لا يمكن استنساخه بسهولة، لأن بناء المصانع ليس هو السبب وإنما وفرة العمالة والمصممين والمبتكرين، الذين جعلوا بكين تسيطر على ثلث الإنتاج الصناعي العالمي حسب بيانات 2020، وساعدت في انتشال 800 مليون صيني من الفقر. وبعد نصف قرن من تلك الليلة التي وقع فيها يان تشانغ والفلاحون الـ17 على الورقة التي نصت على التزام البقية برعاية أولاد من يتم إعدامه منهم بسبب التحايل على نظام الزراعة القديم، أصبحت الصين مصنع العالم ووضعت هذه الورقة داخل المتحف الوطني كواحدة من الوثائق الرمزية التي ساهمت في بداية عصر الإصلاح.