المهباش الأردني.. رمز وجاهة وصوت تراثي في المجالس
المهباش الأردني لم يكن أداة لطحن القهوة فقط، بل كان جزءاً من لغة اجتماعية ارتبطت بالكرم والصلح واستقبال الضيوف.
لم يكن المهباش الأردني يوماً مجرد أداة لطحن حبوب القهوة، بل كان شيفرة تواصل اجتماعي ونافذة إعلامية حية ارتبطت بالكرم وعقد الصلح وحسم المواقف في الأفراح والأحزان.
واحتل المهباش مكانة استثنائية في مجالس الشيوخ والمضافات الكبرى، إذ كان جزءاً من منظومة تبدأ بتحميص البن على المحماسة، ثم دقه، وصولاً إلى طبخه في الدلة. وكانت هذه المهمة ترتبط بالرجال، حيث يتولاها القهوجي أو الفداوي.
من خشب البطم إلى أداة تراثية
يُنحت المهباش تقليدياً من خشب البطم القاسي، ومع ندرة هذه الشجرة في الأردن لجأ الحرفيون إلى أخشاب الكينا والسلم والخروب والمشمش والتين. وقد تنوعت أحجامه وزخارفه بين البادية والريف، بينما يشهد اليوم تحولاً متزايداً من أداة للاستخدام اليومي إلى قطعة زينة تراثية أو منتج سياحي.
ويقول الخبير التراثي محيي الدين صالح عبد الرحمن القدارم، المعروف بـ"بني عيسى" أو "أبو قيس"، إن هذه الأداة التي تُعرف أيضاً بأسماء الجرن والمدق والنجر والعزام كانت بمثابة "وسيلة إعلامية" في زمن خلا من التكنولوجيا. فصوت الدق كان يُعلم الجيران وعابري السبيل بإعداد القهوة واستقبال الضيوف، فيما تحدثت الروايات الشفوية المتوارثة محلياً عن دقات ليلية اضطرارية شكلت ما يشبه "شيفرة طوارئ".
نكهة القهوة وذاكرة الصوت
وتعلم القدارم نغمات المهباش ودقاته من والده، وابتكر نغمات خاصة تُريح السامعين وتجلب البهجة لأسرته وأحفاده، وللزوار الذين يقصدونه لتعلم هذا الفن التراثي وتوثيق ذاكرته الصوتية. ويشير إلى أن طحن القهوة طازجة بالمهباش يسهم في استخلاص زيوتها والحفاظ على عبقها، ما يمنحها نكهة مميزة تفتقدها القهوة الجاهزة والمطحونة مسبقاً.
لكن انتشار المطاحن الكهربائية، وتغير أنماط الضيافة السريعة، وندرة الحرفيين، عوامل أدت إلى تراجع هذا الطقس. ويعرب القدارم عن أسفه لتراجع ثقافة إعداد القهوة الأصيلة ورحيل كبار متذوقيها، قائلاً: "القهوة المقدمة في الأعراس والصالات الحديثة باتت تفتقر إلى النكهة والجودة التقليديتين اللتين عرفتهما المجالس القديمة".