عصر جديد من الغش يهدد جودة البحث العلمي
أصبح إنتاج أبحاث مزيفة أو ضعيفة الجودة أسهل مع انتشار النماذج اللغوية الكبيرة وأدوات توليد النصوص والصور والبيانات، ما يهدد الكيان العلمي.
مع انتشار النماذج اللغوية الكبيرة وأدوات توليد النصوص والصور والبيانات، أصبح إنتاج أبحاث مزيفة أو ضعيفة الجودة أسهل من أي وقت مضى، ما يخلق مشكلة كبيرة تهدد الكيان العلمي بأكمله.
وتشير هبة فهمي إلى أن هذه الأدوات أسهمت في إنتاج بعض الأبحاث المزيفة أو ضعيفة الجودة، وأن الأدلة على ذلك أصبحت واضحة. وتضيف أن من أبرز العلامات المراجع الوهمية، إذ تخترع برامج الذكاء الاصطناعي أحيانا مراجع تبدو حقيقية تماما وهي في الواقع غير موجودة.
صور علمية يصعب تمييزها
ولا يقتصر الأمر على النصوص، فالأبحاث الطبية والبيولوجية تعتمد أيضا على صور من المعمل تثبت نتائج التجارب، ويحذر الخبراء من أن الصور العلمية المولدة بالذكاء الاصطناعي قد يستحيل تمييزها عن الصور الحقيقية. وقد وصلت المشكلة إلى مجلة "نيو إنجلاند جورنال أوف ميديسين" (The New England Journal of Medicine)، إذ سحبت مادة منشورة بعد أن اعترف مؤلفوها باستخدام الذكاء الاصطناعي لتعديل الصورة.
ويقول نيلز ميد إن هناك مؤشرات قوية على أن انتشار هذه الأدوات أسهم في إنتاج بعض الأبحاث المزيفة أو ضعيفة الجودة، على الرغم من صعوبة تحديد حجم المشكلة بدقة. كما يشير إلى أن الذكاء الاصطناعي خفض تكلفة إنتاج ورقة بحثية تبدو وكأنها بحث حقيقي، بينما ظل نظام المكافآت الذي يحفز النشر قائما.
كيف تستفيد مصانع الأوراق البحثية؟
وتوضح هبة أن مصانع الأوراق البحثية، وهي جهات تبيع أبحاثا جاهزة لمن يدفع، استفادت من الذكاء الاصطناعي بثلاث طرق رئيسية: الإنتاج الأسرع والأرخص، والإفلات من الكشف، واستغلال البيانات المفتوحة. كما يشير نيلز إلى أن هذه الجهات تستخدم الذكاء الاصطناعي لكتابة المخطوطات على نطاق واسع، ولتزييف البيانات والأرقام والمراجع، وللتهرب من الكشف أو التحايل عليه.
وتظهر الأرقام أن المشكلة تتوسع، إذ أفادت إحدى الدراسات بأن ما لا يقل عن 13.5% من ملخصات الأبحاث الطبية الحيوية المنشورة في عام 2024 تمت معالجتها باستخدام برامج معالجة اللغة الطبيعية. كما وجدت مراجعة حديثة لنحو 2.5 مليون ورقة بحثية في مجال الطب الحيوي أن نسبة الأوراق التي تستشهد بمراجع غير موجودة ارتفعت من نحو ورقة واحدة من كل 2800 ورقة في عام 2023 إلى ورقة واحدة من كل 277 ورقة في أوائل عام 2026.
أما في مجال أبحاث السرطان، فحصت دراسة نشرت في المجلة الطبية البريطانية "بي إم جيه" (BMJ) عام 2026 أكثر من 2.6 مليون بحث، فوجدت أن نحو بحث من كل 10 أبحاث يشتبه في أنه من إنتاج مصانع الأوراق، وأن هذه النسبة ارتفعت خلال عشرين عاما من نحو 1% إلى نحو 16%.
حلول مطروحة للتعامل مع الظاهرة
وتقول هبة إنه لا يوجد حل سحري واحد، لكن هناك عدة مسارات، أولها تغيير طريقة تقييم الباحثين بحيث تُعطى الأولوية للجودة على الكمية. وتضيف أن هناك أيضا ضرورة للتدقيق المبكر لدى المجلات العلمية، والتعاون بين الناشرين، وحماية البيانات المفتوحة دون إغلاقها، وإلزام الباحثين بنشر بياناتهم الخام.
ويؤكد نيلز أن الحلول تشمل أيضا تدريب المؤسسات وجهات التمويل، والشفافية في الإبلاغ عن الحالات، لافتا إلى أن الذكاء الاصطناعي نفسه بات جزءا من الحل عبر كشف المراجع الوهمية وتحليل الصور المصطنعة ورصد الشبكات المشبوهة من المؤلفين والمحررين. لكنه يخلص إلى أن جذر المشكلة يبقى في ثقافة "انشر وإلا اندثرت" التي تكافئ الكم على حساب الجودة.