من الاستئصال إلى الشفاء: رحلة علاج سرطان الثدي تتغير
لم يعد تشخيص سرطان الثدي يعني بالضرورة استئصال الثدي بالكامل، مع تطور الجراحة والعلاج الإشعاعي والأدوية الموجهة والمناعية.
لم يعد تشخيص الإصابة بسرطان الثدي يعني بالضرورة استئصال الثدي بالكامل، كما كان يحدث في حالات كثيرة قبل سنوات، بعدما أتاحت التطورات الطبية خيارات أوسع للمريضات وساعدت على تحسين فرص النجاة والحفاظ على الثدي في عدد متزايد من الحالات.
لكن هذه التطورات لا تصل إلى جميع النساء بالقدر نفسه، إذ لا يزال توقيت اكتشاف المرض والحصول على العلاج المناسب عاملين حاسمين في تحديد فرص التعافي.
التشخيص المبكر يصنع الفارق
شُخصت إصابة نحو 2.4 مليون امرأة بسرطان الثدي خلال عام 2024، وتوفيت نحو 694 ألف امرأة بسبب المرض، في حين تشير التقديرات إلى وجود نحو 8.2 ملايين امرأة على قيد الحياة بعد تشخيص إصابتهن به.
وتكشف التقديرات تفاوتا كبيرا في فرص النجاة بين الدول، إذ بلغت نسبة البقاء على قيد الحياة لمدة 5 سنوات بعد التشخيص 87.3% في الدول المرتفعة الدخل، مقابل 41.9% فقط في الدول المنخفضة الدخل.
ويقول الدكتور مدحت محمد علي السباعي، أستاذ علاج الأورام بالمعهد القومي للأورام بجامعة القاهرة ورئيس وحدة علاج أورام الثدي بالإشعاع، إن السنوات الأخيرة شهدت تطورا كبيرا في علاج سرطان الثدي، سواء باستخدام العلاجات الدوائية الحديثة أو تقنيات العلاج الإشعاعي المتقدم.
ويوضح أن الاستفادة القصوى من هذه التطورات تعتمد بدرجة كبيرة على اكتشاف المرض مبكرا، إذ يتيح ذلك تحقيق نتائج علاجية أفضل، مع تقليل المضاعفات والتكلفة مقارنة بكثير من الحالات التي تُشخص في مراحل متقدمة.
خطة علاجية تختلف من مريضة إلى أخرى
رغم وجود بروتوكولات دولية لعلاج سرطان الثدي، فإن اختيار الخطة المناسبة يعتمد على مجموعة من العوامل التي تختلف من مريضة إلى أخرى، بينها مرحلة المرض وحجم الورم ومدى انتشاره، إضافة إلى عمر المريضة وحالتها الصحية العامة ووجود أمراض مزمنة مثل السكري أو أمراض القلب.
وتؤدي الخصائص البيولوجية للورم دورا أساسيا في اختيار العلاج، خاصة حالة مستقبلات الهرمونات وبروتين HER2، التي تساعد على تحديد مدى ملاءمة العلاج الهرموني أو الموجه.
وفي بعض الأورام المكتشفة مبكرا، قد يبدأ العلاج بالجراحة لإزالة الورم، ثم تُستخدم علاجات إضافية بحسب تقدير الفريق الطبي لتقليل احتمال عودته، بينما قد يبدأ الأطباء في حالات أخرى بالعلاج الدوائي قبل الجراحة بهدف تقليص حجم الورم أو تحسين فرص إجراء جراحة تحافظ على الثدي.
وقد يشمل العلاج الدوائي العلاج الكيميائي أو الموجه أو المناعي، وفقا لنوع الورم ومرحلته، بينما يستخدم العلاج الإشعاعي في حالات محددة للقضاء على الخلايا السرطانية المتبقية وتقليل احتمالات عودة المرض.
ويشير السباعي إلى أن الأورام الحساسة للهرمونات قد تتطلب علاجا هرمونيا يستمر سنوات، وفقا لتقييم مخاطر عودة المرض، وقد تمتد مدته إلى ما بعد 5 سنوات في بعض الحالات.
المتابعة لا تنتهي بانتهاء العلاج
الانتهاء من الجراحة أو العلاج الكيميائي أو الإشعاعي لا يعني انتهاء رحلة الرعاية الطبية، إذ تحتاج المريضة إلى متابعة منتظمة لرصد أي علامات محتملة لعودة المرض والتعامل مع الآثار الجانبية طويلة المدى للعلاج.
ويوضح السباعي أن المتابعة تبدأ من وعي المريضة بالتغيرات التي قد تطرأ على جسمها، مع الاهتمام بالفحص الذاتي شهريا إلى جانب الفحوص السريرية والتصوير الطبي وفقا للخطة التي يحددها الفريق المعالج.
وتشير الجمعية الأمريكية للسرطان إلى أن زيارات المتابعة تكون عادة كل 3 إلى 6 أشهر خلال السنوات الأولى بعد انتهاء العلاج، ثم تتباعد تدريجيا، وقد تصبح سنوية بعد مرور 5 سنوات.
أما تصوير الثدي الشعاعي (الماموغرام)، فيحدد توقيته وفقا لنوع الجراحة والعلاج السابق، ولا تحتاج جميع المريضات إلى الفحوص التصويرية نفسها.
تراجع الاستئصال الكامل
يرصد السباعي تغيرا لافتا في طبيعة التدخلات الجراحية لعلاج سرطان الثدي في مصر خلال السنوات الأخيرة، ويربط ذلك بالتوسع في الكشف المبكر وتطور الخيارات العلاجية.
ويقول إنه قبل نحو 10 سنوات، كانت نسبة المريضات اللاتي يخضعن للاستئصال الكامل للثدي تصل إلى 65%، بينما انخفضت هذه النسبة حاليا إلى نحو 35%، في مقابل ارتفاع نسبة الجراحات التحفظية التي تزيل الورم مع الحفاظ على الثدي إلى قرابة 65%.
ويشير إلى أن المبادرة الرئاسية المصرية لدعم صحة المرأة أسهمت في توسيع فرص الكشف المبكر عن أورام الثدي، مما أتاح تشخيص بعض الحالات في مراحل تسمح بعلاج أقل تدخلا.
مراكز متخصصة وعلاج مجاني
يشير السباعي إلى الدور الذي يؤديه مستشفى أورام الثدي التابع للمعهد القومي للأورام، في منطقة التجمع الأول بالقاهرة، في تقديم خدمات التشخيص والعلاج والمتابعة.
ويؤكد أن الخدمات العلاجية المقدمة للمريضات في المركز متاحة بالمجان، بما يخفف الأعباء المالية التي قد تشكل عقبة أمام استكمال العلاج.
وفي مجال العلاج الإشعاعي، يقول إن مركز أورام مدينة نصر يستقبل نحو 1500 مريضة سنويا، ويستخدم تقنيات حديثة تهدف إلى تحسين دقة العلاج والحد من تعرض الأنسجة السليمة للإشعاع.
وفي مواجهة التفاوت الكبير في فرص النجاة، أطلقت منظمة الصحة العالمية المبادرة العالمية لسرطان الثدي، بهدف خفض الوفيات الناجمة عنه بمعدل 2.5% سنويا، بما قد يتيح تجنب 2.5 مليون وفاة بحلول عام 2040.
وتستند المبادرة إلى 3 أهداف رئيسية: تشخيص 60% على الأقل من حالات سرطان الثدي الغازي في المرحلتين الأولى أو الثانية، واستكمال التقييم والتشخيص خلال 60 يوما، وضمان إتمام 80% من المريضات للعلاج المتكامل الموصى به.