في تستور.. معجنات تحفظ ذاكرة الموريسكيين
في مطابخ تستور التونسية، تستعيد العائلات حكاية الموريسكيين عبر البناضج والمسمنات، بوصفهما وصفات تحمل ذاكرة الهجرة والرحيل.
في مطابخ مدينة تستور التونسية، لا تُروى حكاية الموريسكيين من خلال المباني والأزقة ذات الطابع الأندلسي وحدها، بل تستعيدها الأيدي وهي تعجن السميد وتُعدّ الفطائر والحلويات التي تناقلتها العائلات جيلا بعد جيل.
ومن بين تلك الوصفات، تحضر حكاية البناضج، المعجنات المحشوة التي ارتبطت في الذاكرة المحلية برواية عن مهاجرين أندلسيين أخفوا الذهب والمجوهرات داخل العجين، وهم يغادرون موطنهم نحو الضفة الجنوبية للمتوسط.
لا يعرف زائر تستور، الواقعة في ولاية باجة شمال غربي تونس، أن بعض ما يتذوقه في مطابخها يحمل حكايات عن الرحيل والخوف ومحاولة الاحتفاظ بما أمكن من ثروة وذكريات. فالمدينة التي استقر بها مهاجرون أندلسيون منذ قرون، ما زالت تحتفظ بجانب من تراثهم في تفاصيل الحياة اليومية، ومن بينها عادات الطعام وطرق إعداده.
فطائر تحمل حكاية الذهب
البناضج ليست حلوى بالمعنى المتداول للكلمة، وإنما فطائر محشوة باللحم، تشبه في شكلها بعض المعجنات المحشوة المعروفة في حوض المتوسط. وتُحضّر عجينتها تقليديا من السميد المتوسط وزيت الزيتون، مع استعمال دهن ذيل الخروف في بعض الوصفات، ثم تُعجن بالماء الفاتر وتُترك لترتاح.
أما الحشوة، فتُعدّ من اللحم الذي يُطهى مع الزيت والتوابل حتى يتبخر ماؤه ويجف، ثم يُفرم أو يُدقّ قبل وضعه داخل قطع العجين. وتُفرد العجينة وتُقطع دوائر صغيرة، توضع الحشوة في وسطها، ثم تُطوى وتُغلق أطرافها بعناية، قبل أن تُخبز في فرن تقليدي على نار هادئة.
وتشير روايات المطبخ الموريسكي إلى أن طريقة إعداد هذه الفطائر، وإحكام إغلاقها، جعلاها مناسبة لإخفاء قطع الذهب والمجوهرات داخلها. وهي حكاية لا تقدمها العائلات التستورية باعتبارها واقعة موثقة في سجل تاريخي، بل بوصفها ذاكرة متوارثة تفسر جانبا من ارتباط هذا الطبق بقصة الهجرة الأندلسية.
ولا تنفصل البناضج عن بقية الموروث الغذائي في المدينة؛ فالمسمنات، مثلا، ما زالت حاضرة في مطابخ بعض النساء، وتحمل بدورها حكاية عن إخفاء المقتنيات الثمينة داخل العجين. وتشرح ثريا بن إسماعيل، وهي من نساء تستور اللواتي يواصلن إعداد المسمنات، أن تحضيرها يبدأ بإعداد العجين ورقّه، ثم تركه ليستريح في الماء مدة قد تصل إلى ثلاث ساعات، قبل قليه في الزيت وتزيينه بالسمسم، المعروف محليا بالجرجلانة.
المطبخ ذاكرة مفتوحة
ويقول حبيب الرحمن الشواشي، أحد المهتمين بإحياء المطبخ الأندلسي في تستور، إن المطبخ المحلي يحتفظ بأصناف متعددة من الأكلات المالحة والحلوة التي توارثتها العائلات، ومن بينها النواصر والمسمنات والبناضج والكيسالس والعجلة الحلوة. ويقول إن مبادرته انطلقت عام 2019، خلال الدورة الرابعة لمهرجان الرمان، حين فتح بيته لاستقبال الزوار وتقديم أطباق من المطبخ الأندلسي.
وتكشف هذه المبادرة أن الطعام في تستور ليس مجرد وصفات تُستعاد عند إعداد الموائد، بل وسيلة للتعريف بتاريخ المدينة وتعدد روافدها الثقافية. وفي البيوت التستورية، تستمر النساء في إعداد المسمنات وغيرها من الأكلات التي عرفنها عن أمهاتهن وجداتهن، لتبقى هذه الوصفات جزءا من ذاكرة المدينة ومائدتها.