انقسام ماغا يعود إلى جذور شعار أمريكا أولا
تتتبع الحلقة الأولى من سلسلة وثائقية عودة شعار «أمريكا أولا» إلى السياسة الأمريكية، وكيف جمع تيارات متباينة خلف ترمب.
تبدأ الحلقة الأولى من السلسلة الوثائقية «أمريكا.. انشقاق الماغا» من 16 يونيو/حزيران 2015، حين نزل دونالد ترمب على السلم الكهربائي في برج يحمل اسمه بمانهاتن وأعلن دخوله السباق بوعد استعادة الحلم الأمريكي.
وتتبع الحلقة، بعنوان «الإمبراطورية المتعبة»، كيف عاد شعار «أمريكا أولا» إلى قلب السياسة الأمريكية، وكيف تحوّل من فكرة قديمة إلى راية انتخابية جمعت تيارات متباينة خلف ترمب.
من العزلة إلى قيادة العالم
تستعيد الحلقة حكاية بلد يرى مواطنون أن مكانته تراجعت، وأن الحروب استنزفت موارده فيما ظلت مشكلاته الداخلية بلا معالجة، وتتجسد هذه المفارقة في برايان ماكغينيس الجندي الذي خدم في العراق.
نشأ ماكغينيس في كوينسي بولاية إلينوي، وذهب إلى العراق مقتنعا بأن مهمته هي إسقاط صدام حسين وحماية بلاده، ثم غادر الخدمة عام 2004 مثقلا بتجربة الحرب، قبل أن يدفعه خطاب ترمب المناهض للمؤسسة ووعده بإنهاء الحروب إلى التصويت له عام 2016.
كان ترمب يذكر أن الولايات المتحدة أنفقت تريليونيْ دولار في العراق وخسرت آلاف الأرواح، قبل أن يرفع شعار «أمريكا أولا». لكن العبارة أقدم من حملته؛ فقد استخدمها وودرو ويلسون عام 1915 دفاعا عن حياد بلاده في الحرب العالمية الأولى.
وفي سبتمبر/أيلول 1940، تأسست لجنة «أمريكا أولا» في شيكاغو لمعارضة دخول الحرب العالمية الثانية، بقيادة الطيار الشهير تشارلز ليندبرغ. واستفادت الحركة من شعبيته ومخاوف الأمريكيين من التورط في حرب كانت أخبارها تعبر الأطلسي.
في خطاب عام 1941، اتهم ليندبرغ جماعات داخل الولايات المتحدة وخارجها بالسعي إلى جر البلاد للحرب، وخصّ البريطانيين واليهود والإدارة الأمريكية بالذكر، وترى الباحثة لورا فيلد أن الحركة ارتبطت بالانعزالية والحمائية ومعاداة السامية.
حسم الهجوم الياباني على بيرل هاربر في ديسمبر/كانون الأول 1941 الجدل؛ دخلت الولايات المتحدة الحرب، وحلت اللجنة بعد 4 أيام. وبعد استسلام اليابان عام 1945، خرجت واشنطن قوة رئيسية فيما كانت أوروبا مدمرة وبريطانيا تتراجع عن القيادة.
في عهد هاري ترومان، اتجهت الولايات المتحدة إلى بناء نظام دولي تقوده؛ فجاء قانون الأمن القومي عام 1947، وخطة مارشال عام 1948، ثم تأسيس حلف شمال الأطلسي عام 1949، وترسخت فكرة أن حماية الداخل تبدأ بمنع الأخطار في الخارج.
لكن حرب فيتنام كشفت حدود هذا الدور؛ ففي أبريل/نيسان 1975 انسحبت القوات الأمريكية وسط الخسائر والاحتجاجات، وتراجعت ثقة قطاعات من الأمريكيين بقيادتهم، وتستعيد الصحفية كيلي فلاهوس إخفاق الحكومة -كما تراه- في رعاية المحاربين العائدين.
وفي المقابل، جمع رونالد ريغان داخل الحزب الجمهوري رجال الأعمال المؤيدين للسوق الحرة، والمحافظين الاجتماعيين، وصقور السياسة الخارجية. ووعد عام 1980 بإعادة الأمل وجعل أمريكا عظيمة مجددا، مقدما العظمة بوصفها استعادة لمكانة البلاد في الداخل والعالم.
وبعد انهيار الاتحاد السوفياتي، انقسم اليمين بشأن الدور الأمريكي؛ فدعا بات بوكانان إلى تقليص الالتزامات والتركيز على الداخل، بينما أراد المحافظون الجدد مواصلة نشر الديمقراطية. وفي التسعينيات، بدت واشنطن قوة مهيمنة بلا منافس، وفق وصف أستاذ السياسة العامة جيريمي ماير.
لكن الانتصار الخارجي لم ينعكس على مدن الصناعة؛ ففي بنسلفانيا وميشيغان وأوهايو أغلقت المصانع وتراجعت الوظائف، ويصف الصحفي نيل مكابي منشآت تحولت إلى هياكل مهجورة، فيما شعر ملايين الأمريكيين بأن الازدهار يمضي من دونهم.
ثم أعادت هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 الأمن إلى صدارة الأولويات، وفتحت الباب أمام حرب أفغانستان ثم غزو العراق عام 2003. وأعلن جورج بوش الابن أن المهمة أُنجزت، لكن المقاومة وحرب العصابات سرعان ما كشفتا تعثر المشروع.
غضب الداخل يصعد إلى منصة ماغا
ومع اتساع القتال، أخذ أمريكيون يتساءلون عما إن كان الغزو ضروريا من الأساس. وعاد ماكغينيس مثقلا بالشكوك، إذ رأى أن التغطية الإعلامية بدت أكثر تفاؤلا من حقيقة الموت والدمار التي عاشها الجنود، فيما رأى آخرون أن واشنطن استغلت أبناءها.
وفي مناظرة جمهورية عام 2007، ربط عضو الكونغرس رون بول هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 بوجود القوات الأمريكية وقصف العراق، فواجهه رودي جولياني. منحت المداخلة الاعتراض على الحروب صوتا داخل اليمين، بعدما ظل اتجاها محدودا داخل الحزب.
ثم أضافت الأزمة المالية عام 2008 سببا جديدا للغضب من واشنطن؛ خسر الجمهوريون البيت الأبيض مثقلين بإرث العراق وأفغانستان والانهيار الاقتصادي. وفي فبراير/شباط 2009، تحولت صرخة المذيع ريك سانتيللي في بورصة شيكاغو إلى شرارة لحركة «حزب الشاي».
وطالبت الحركة بخفض الضرائب والإنفاق الحكومي، وامتد احتجاجها إلى الولايات حاملا غضبا على أوباما وحنينا إلى الماضي. وفي انتخابات 2010، دعمت مرشحين تحدوا قيادة الحزب، ووصل ماركو روبيو وراند بول ومايك لي إلى مجلس الشيوخ.
والتقط ترمب جانبا من زخم رون بول و«حزب الشاي»، وضم إليه التجارة والهجرة والوظائف والحروب. وتلخص الباحثة لورا فيلد ماغا في ثلاثة مرتكزات: سياسة خارجية تضع أمريكا أولا، وقومية اقتصادية، وحدود آمنة؛ ملفات جمعها ترمب في رسالة انتخابية واحدة.
وفي مناظرات 2016، هاجم ترمب جيب بوش بسبب موقفه من الهجرة وحرب العراق، واتهم إدارة جورج بوش بتقديم مبررات زائفة للغزو. لم تتوقع قيادة الحزب فوزه، لكن ماير يرى أنه أدرك قوة جذب الانتباه في الإعلام.
فاز ترمب بترشيح الحزب ثم بالرئاسة على حساب هيلاري كلينتون، وأعلن في خطاب تنصيبه عام 2017 أن «أمريكا أولا» ستكون المبدأ الحاكم. وبالنسبة إلى ماكغينيس، كان الشعار يعني إعادة الموارد إلى الداخل لإصلاح الطرق والجسور والاستثمار في التعليم.
لكن التطبيق اتخذ مسارات متعددة؛ قيودا على الهجرة، ورسوما تجارية، وضغوطا على الحلفاء، وجمعا بين دعوات الانسحاب والاستعداد لاستخدام القوة، ورأى ماكغينيس فجوة بين ترمب المرشح والرئيس، بينما انتقد مكابي غياب مدافعين عن مشروع ماغا داخل الإدارة.
وتنتهي الحلقة عند الخلاف الكامن خلف الشعار: فريق يريد تقليص الانخراط الخارجي وتوجيه الموارد إلى الداخل، وآخر يرى استعادة العظمة في ضمان قدرة الولايات المتحدة على فرض نفوذها عالميا. إنهما فريقان جمعهما ترمب انتخابيا لكن وصوله إلى البيت الأبيض لم يبدد انقسامهما.