القطب الشمالي يتحول إلى ساحة تنافس بين أميركا وروسيا والصين
مع تراجع الجليد إلى أدنى مستوياته منذ 47 عاما، يتصاعد التنافس بين الولايات المتحدة وروسيا والصين على القطب الشمالي وثرواته وممراته البحرية.
لم يعد القطب الشمالي منطقة نائية بعيدة عن الصراعات الدولية، فمع انحسار الجليد وانكشاف ثروات طبيعية هائلة وطرق ملاحية جديدة، تحول إلى ساحة تنافس استراتيجي بين الولايات المتحدة وروسيا والصين. وتتداخل في هذا السباق الحسابات العسكرية والاقتصادية والسيطرة على الممرات البحرية والمعادن النادرة.
وتتسع أهمية المنطقة مع تراجع الغطاء الجليدي إلى أدنى مستوياته منذ 47 عاما، ما يفتح المجال أمام استغلال موارد ظلت حبيسة الجليد، ويعيد رسم خريطة التجارة العالمية.
ثروات وممرات
وتشير تقديرات هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية إلى أن القطب الشمالي يضم نحو 13% من احتياطيات النفط غير المكتشفة عالميا، بما يعادل 90 مليار برميل، و30% من احتياطيات الغاز، أو نحو 1600 تريليون قدم مكعبة. كما يفتح ذوبان الجليد الطريق أمام استخدام الممر الشمالي الشرقي المحاذي للسواحل الروسية، الذي يختصر الرحلة البحرية بين آسيا وأوروبا بنحو 36% مقارنة بطريق قناة السويس، ويوفر قرابة 20 يوما من الإبحار.
وتتمتع روسيا بأفضلية في هذا المجال، إذ تمتلك أكثر من 40 كاسحة جليد، بينها كاسحات تعمل بالطاقة النووية، مقابل ثلاث كاسحات للولايات المتحدة، ما يعزز قدرتها على تأمين الممر وترسيخ نفوذها البحري.
غرينلاند في قلب الصراع
وتبرز جزيرة غرينلاند باعتبارها إحدى أهم نقاط الصراع، بفضل موقعها الاستراتيجي وثرواتها المعدنية. وتكمن أهميتها العسكرية في موقعها ضمن فجوة "غيوك" بين غرينلاند وآيسلندا والمملكة المتحدة، التي شكلت خلال الحرب الباردة ممرا للغواصات السوفيتية نحو المحيط الأطلسي.
وفي سبتمبر/أيلول 2026، وقعت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند اتفاقا أمنيا لتوسيع الوجود العسكري الأمريكي عبر إنشاء قاعدتين جديدتين، إلى جانب قاعدة "بيتوفيك" الفضائية القائمة. وتحتوي الجزيرة على نحو مليون ونصف المليون طن من المعادن الأرضية النادرة، وتحتل المرتبة الثامنة عالميا في احتياطياتها، ما يمنحها أهمية اقتصادية لواشنطن الساعية إلى تقليل اعتمادها على الصين، التي تستحوذ على أكثر من 90% من طاقة تكرير هذه المعادن عالميا.
موسكو وبكين
وتنظر موسكو إلى التوسع الأمريكي في غرينلاند باعتباره تهديدا لأمنها القومي، خصوصا أن شبه جزيرة كولا شمال غربي روسيا، التي تبعد نحو ألفي كيلومتر عن الجزيرة، تضم أهم قواعد الأسطول الروسي وغواصاته المسلحة بصواريخ باليستية نووية. وتحتضن شبه الجزيرة نحو ثلثي القوة النووية البحرية الروسية، ما يجعل القطب الشمالي ركيزة أساسية في منظومة الردع النووي لموسكو.
أما الصين، التي تصف نفسها بأنها "دولة قريبة من القطب الشمالي"، فتسعى إلى تعزيز حضورها عبر مشروع "طريق الحرير القطبي"، مستفيدة من الاستثمارات في الطاقة والبنية التحتية والممرات البحرية. ويعد مشروع "يامال" الروسي لإسالة الغاز الطبيعي أبرز نماذج هذا التوسع؛ إذ ساهمت البنوك الصينية بنحو 12 مليار دولار في تمويله، وتمتلك شركة النفط الصينية الحكومية 20% منه، إضافة إلى 9.9% لصندوق طريق الحرير الصيني.