لوحات تجمع فنانين من غزة والضفة في بيت لحم
لوحات فنية جمعت في بيت لحم أعمال فنانين من غزة والضفة عبر بث مباشر، رغم القيود التي تفصل بينهم وتمنع لقاءهم.
وصل فنانون برفقة عائلاتهم وأصدقائهم إلى مركز السلام في بيت لحم بالضفة الغربية المحتلة، حيث ربطهم بث مباشر بتجمّع صغير في مرسم أحد الفنانين بمخيم البريج للاجئين وسط قطاع غزة.
وشكّل المعرضان افتتاح مسابقة "أنامل فلسطين"، وهي أولى المسابقات التي ينظمها "تجمّع فلسطين" (Falasteen Collective)، المبادرة الثقافية التي أطلقها عام 2025 فنانون وصنّاع أفلام ومصممون فلسطينيون وعاملون آخرون في مجالي الفن والثقافة.
أعمال من غزة والضفة
وجمع المعرضان التوأمان، اللذان استمرا 3 أيام في وقت سابق من الأسبوع الجاري، فنانين فلسطينيين شبانا تفصل القيود الإسرائيلية على الحركة بين أعمالهم وتحرمهم فرص اللقاء.
وقال أسامة نزال، أحد أعضاء لجنة التحكيم، متحدثا في بيت لحم: "لدينا في المسابقة فنانون فلسطينيون من القدس وفلسطين التاريخية وقطاع غزة والضفة الغربية. لا أحب هذه التقسيمات، أريد أن أقول: فلسطين كلها".
ومن مرسمه في "غاليري باليتا" بمخيم البريج، وسط حرب الإبادة الإسرائيلية المتواصلة على القطاع، بعث الرسام وعضو لجنة التحكيم غانم الدن بتحياته عبر البث المباشر، قائلا: "تحية وسلام من الروح إلى الروح، من غزة إلى مدننا الفلسطينية الشقيقة في أرجاء هذا الوطن الحبيب".
وأضاف: "اجتمعت في هذه المسابقة أشياء كثيرة كانت قد ضاعت، وأهمها الأمل".
فنانون شبان يوثّقون الفقد والحياة اليومية
وأُتيحت للزوار فرصة التمعن في اللوحات والصور الفوتوغرافية والرسوم التي غطّت الجدران، فتنقّلوا بينها، يتوقفون للتأمل، ويشيرون إليها، ويتحدثون عما يرونه.
وقال محمد أبو سرور، أحد مؤسسي "تجمّع فلسطين": "قرر الفنانون المجيء من الخليل ورام الله والقدس ويافا ونابلس رغم المخاطر. لديهم صوت، ويريدون أن يسهموا، وأن يُظهروا للعالم أننا ما زلنا موجودين".
ولم تكن كل الأعمال المعروضة في بيت لحم أصلية، إذ قال المنظمون إن الحصار وقيود الحركة جعلا نقل الأعمال الأصلية من غزة مستحيلا، فطبعوا نسخا من أعمال المشاركين في القطاع وعلّقوها إلى جانب القطع الأصلية.
وعكست الأعمال المعروضة طرقا مختلفة لتوثيق الحياة الفلسطينية، من فقدان العائلة والبيت في غزة، إلى التقاليد والتجارب اليومية التي يسعى الفنانون إلى صونها.
وكانت المسابقة مفتوحة للفنانين بين 15 و30 عاما، وتقدّم إليها نحو 170 فنانا، قرابة 60% منهم من غزة، وفق المنظمين. واختارت لجنة تحكيم موزعة بين الضفة وغزة 120 عملا ضمن 3 مسارات: الذاكرة والمكان، والأرض والعودة، والتراث اليومي.
ومن الأعمال التي عُرضت في غزة لوحة "الدالية تشهد" (The Vine Bears Witness) للطالبة الجامعية أروى مخيمر (20 عاما)، وتصوّر مدخل بيت عائلتها تظلله دالية عنب. هناك، في 30 مارس/آذار 2024، تلقت خبر وفاة والدها الذي قالت إنه لم يتمكن من الحصول على العلاج خلال الحرب الإسرائيلية على غزة، وبعد 5 أشهر دُمّر البيت.
وقالت مخيمر للجزيرة: "هذه اللوحة نُصب تذكاري لما فقدناه، فقدٌ مزدوج: للأب وللمكان". وقبل وفاته بيومين قال لها: "يا حبيبتي، الله يرضى عليكِ"، فكتبت كلماته على اللوحة.
وفي بيت لحم، اختارت الفنانة التشكيلية حنان البرغوثي (24 عاما) من رام الله أن ترسم الفرح أيضا، لكن من موقع مختلف، فلوحتها عن عرس فلسطيني تزخر بالألوان الزاهية والرموز التراثية والحركة. وتقول: "صار الفن كله تعبيرا عن الحزن، لذلك أريد أن أعكس السعادة، لأنني أحب أن أكون سعيدة".
قيود الحركة تفصل غزة عن الضفة
وتطلّب الجمع بين المعرضين الالتفاف على القيود التي تفصل بين الفلسطينيين في المنطقتين، فالفنانون في غزة والضفة يعيشون في ظروف احتلال مختلفة، لكنهم يواجهون جميعا عقبات تحول دون لقائهم وتعاونهم وعرض أعمالهم معا.
وتفرض إسرائيل حصارا بريا وبحريا وجويا على قطاع غزة منذ يونيو/حزيران 2007، في حين وثّق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) حتى ديسمبر/كانون الأول 2025 وجود 925 عائقا تقيّد حركة 3.4 ملايين فلسطيني في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية.
وتقول الفنانة والمربية رحاب نزال، عضو اللجنة الاستشارية للمسابقة، إن هذا الفصل ليس مصادفة، "بل هو من صنع المشروع الاستعماري الاستيطاني، الذي يسعى بخنق الفلسطينيين بكل قيود الحركة إلى دفعهم إلى الرحيل".
ويرى أبو سرور أن فضاءات كهذا المعرض تمنح الشباب الفلسطيني سببا للبقاء ومواصلة الإبداع، قائلا: "لا يمكنك أن تعيش في مكان وتوصف بالصمود من دون أن يكون لديك سبب للحياة أيضا".
وأثناء متابعتها فناني غزة على الشاشة، قالت البرغوثي إنها شعرت "بحزن شديد"، وتساءلت: "أين نحن وأين هم؟". وأضافت: "شعرت أننا قريبون منهم، وبعيدون عنهم في الوقت نفسه، لكنني شعرت وجدانيا أنهم بجانبنا، لأن أعمالنا متجاورة".