الهجرة تعيد تشكيل الأغنية الجزائرية عبر أجيال متعاقبة
تتبع البرنامج كيف تحولت الهجرة الجزائرية إلى فرنسا إلى عامل أعاد تشكيل الأغنية، من مقاهي المهاجرين إلى الراي والراب والبوب.
تتبعت حلقة مسار الأغنية الجزائرية منذ الهجرة إلى فرنسا، وكيف انتقلت من مقاهي المهاجرين كوسيلة لحفظ الذاكرة والهوية إلى مساحة للتجديد والتفاعل بين الثقافتين الجزائرية والفرنسية.
وبين أجيال متعاقبة، مزجت أعمال جديدة بين الراي والشعبي والراب والهيب هوب وموسيقى البوب، فيما اتسعت دائرة الحضور مع انتقال الأغاني من المقاهي إلى شركات التسجيل الفرنسية.
الهجرة والمقاهي والحنين
وتتبعت الحلقة جذور الهجرة الجزائرية إلى فرنسا منذ أواخر القرن التاسع عشر، حين دفعت الظروف الاقتصادية والاستعمارية أعدادا من الجزائريين إلى مغادرة بلادهم بحثا عن العمل، قبل أن تتوسع حركة الهجرة مع انتقال العمال إلى فرنسا بعد الحرب العالمية الثانية.
ومع استقرار المهاجرين في مدن مثل باريس ومارسيليا، أصبحت المقاهي فضاءات للقاء وتبادل الأخبار والغناء، ومتنفسا يستعيد فيه العمال لغتهم وذكرياتهم وعلاقاتهم بالوطن.
وبرزت أسماء مثل سليمان عازم، الذي هاجر إلى فرنسا عام 1937، وقدّم أغاني ارتبطت بتجربة الغربة، إلى جانب فنانين تناولوا الرحيل والحنين في الأغنية القبائلية، ثم ظهر دحمان الحراشي، المرتبط بأغنية "يا رايح"، بوصفه أحد أبرز الأصوات التي نقلت حكاية المهاجر الجزائري إلى جمهور أوسع.
من وهران إلى باريس
وانتقلت الحلقة إلى جذور موسيقى الراي في غرب الجزائر، وتحديدا مدينة وهران، حيث تداخلت تقاليد الغناء الشعبي مع تجارب الشيوخ والعجائز، وأسهمت النساء في تطوير هذا اللون الغنائي من خلال الارتجال والتعبير عن تجاربهن الاجتماعية والشخصية.
وتوقفت عند التحولات التي شهدها الراي منذ ستينيات القرن الماضي، مع إدخال آلات وتوزيعات حديثة، وصولا إلى استخدام الغيتار الكهربائي والآلات الإلكترونية والإيقاعات المبرمجة في السبعينيات والثمانينيات. وأسهم منتجون -بينهم رشيد بابا أحمد- في تطوير هذا الصوت وفتح المجال أمام جيل جديد من المغنين، مثل الشاب خالد والشاب مامي وفضيلة والصحراوي.
وفي عام 1986، استضافت ضاحية بوبيني في باريس مهرجان بوبيني، الذي جمع عددا من نجوم الراي، وفتح أمام الموسيقى الجزائرية فضاء أوسع خارج حدود الجالية. ومع انتقال الشاب خالد إلى فرنسا عام 1988، ثم انتشار أغنيته "دي دي"، وصل الراي إلى جمهور يتجاوز المهاجرين الجزائريين.
جيل الأبناء وموسيقى جديدة
ولم تقتصر آثار الهجرة على انتقال الأغاني من الجزائر إلى فرنسا، بل امتدت إلى أبناء المهاجرين الذين وُلدوا أو نشؤوا في المجتمع الفرنسي، وحاولوا التعبير عن هوياتهم المركبة من خلال الموسيقى.
وبرز رشيد طه، الذي وصل إلى فرنسا طفلا، وقدم مع فرقته تجارب جمعت الموروث الجزائري بموسيقى الروك. كما شهدت التسعينيات تداخلا متزايدا بين الراي والراب، مع حضور مدينتي باريس ومارسيليا في أعمال فنانين استلهموا حياة الجالية وتعدد ثقافاتها.
وتناولت الحلقة تأثير العنف الذي شهدته الجزائر خلال تسعينيات القرن الماضي في حياة الفنانين، مشيرة إلى اغتيال الشاب حسني عام 1994، ثم المنتج رشيد بابا أحمد بعد أشهر، وما رافق تلك المرحلة من ضغوط دفعت بعض الفنانين إلى البحث عن فضاءات أكثر أمنا.
وتوقفت أيضا عند حفلة "1، 2، 3 سولاي" التي جمعت الشاب خالد ورشيد طه والشاب فضيل في باريس عام 1998، بوصفها محطة التقت فيها أجيال مختلفة من المهاجرين وأبنائهم، وجمهور من خلفيات متعددة، حول أغان حملت ذاكرة الجزائر إلى مسارح فرنسا.
كما تناولت تجارب مزجت التسجيلات الجزائرية القديمة بموسيقى الراب، ومنها أغنية "طونطون دوبل" لفرقة "سنترس"، التي استخدمت مقطعا من تسجيل للفنان أحمد وهبي، لتعيد تقديم الذاكرة الموسيقية الوهرانية ضمن قالب جديد. وعادت الحلقة في ختامها إلى أغنية "ستاك مارسي" للفنان سولكينغ، الصادرة عام 2026، والتي استعادت صوت الفنانة الجزائرية زهرة من أغنية أقدم بنحو 3 عقود.