تعطل القارب فبدأ صعود اللبنانيين التجاري في أفريقيا
قبل نحو قرن ونصف، وصل مهاجرون لبنانيون إلى موانئ غرب أفريقيا في طريقهم إلى الأمريكتين، ثم تحولوا إلى قوة تجارية بارزة.
قبل نحو قرن ونصف، نزل مهاجرون لبنانيون في موانئ غرب أفريقيا في طريقهم إلى الأمريكتين، فلم يكملوا الرحلة لظروف مادية وصحية، ومن تلك اللحظة بدأت مسيرة الدكان ثم المصنع وصولاً إلى الإمبراطورية التجارية.
وتروي القصة كيف تحولت هذه الجاليات من غرباء تقطعت بهم السبل في أرض نائية إلى أقطاب في الزراعة والتجارة والصناعة، مع حضور اقتصادي واسع أثار جدلاً دائماً في البلدان التي استقروا فيها.
بدايات الوصول والانتشار
تقدر دراسات أكاديمية أعداد اللبنانيين في المنطقة بمئات الآلاف، وتحمل مجموعات تجارية أسسها أبناؤهم أسماء معروفة من دكار إلى لاغوس. وتقول دراسة نشرتها "المجلة الدولية لدراسات الشرق الأوسط" عام 2010 إن مهاجرين غادروا لبنان بسبب الضائقة الاقتصادية منذ ثمانينيات القرن الـ19، وبكثافة أكبر في عشرينيات القرن العشرين، متجهين إلى ميناء مرسيليا الفرنسي، وكانوا يعتزمون مواصلة الرحلة إلى الولايات المتحدة أو أمريكا الجنوبية.
وبحسب روايات متداولة، صعد أجداد لبنانيي السنغال سفنا متجهة إلى الأمريكيتين لكنها رست في دكار، فأقنعتهم السلطة الاستعمارية الفرنسية بالبقاء للعمل وسطاء في تجارة الفول السوداني بين الفرنسيين بالمدن والفلاحين السنغاليين في الأرياف. وتذكر الدراسة روايات أخرى تفيد بأن بعضهم لم يستوف الشروط الصحية الصارمة للهجرة إلى الولايات المتحدة بسبب إصابتهم بالرمد الحبيبي، وأن آخرين أنفقوا معظم أموالهم في مرسيليا أثناء انتظار السفن.
من الوساطة إلى التوسع
وتقول دراسات تاريخية إن اللبنانيين أدوا بين عامي 1910 و1945 دور الوسيط في تجارة غرب أفريقيا، إذ شغلوا المساحة الإستراتيجية بين كبار المستوردين والمصدرين الأوروبيين من جهة، والمستهلكين والمنتجين الزراعيين من جهة أخرى. ومع الوقت، انتقلت جاليات منهم من تجارة الفول السوداني إلى المهن الحرة والفكرية، ثم إلى مجالات الطب والهندسة والبناء والاستيراد والتصدير والصناعات التحويلية.
وفي دكار، يورد باحثون أن التنظيم المكاني لهذه الجاليات كان قائماً على "أقاليم العائلات"، وأن التحول إلى أقلية غير مرئية اجتماعيا وسياسيا كان مفتاح نجاحهم الاقتصادي. وتكشف أمثلة شركات وعائلات بارزة حجم هذا التحول في نيجيريا والسنغال وغينيا.