الجمعة 30 أكتوبر 2026 راديو ميديا مباشر: قران كريم فيسبوك إكس يوتيوب
الخبر كما يحدث

العشائر السورية بين الصورة النمطية والواقع الاجتماعي

حلقة من برنامج "ملفات" تعيد النظر في صورة العشائر السورية، وتعرض علاقتها بالدولة والهوية الوطنية والتحولات السياسية بعيداً عن التنميط.

م
فريق ميديا
نُشر: · آخر تحديث: 22:27 · 3 دقائق قراءة
f 𝕏 W
العشائر السورية بين الصورة النمطية والواقع الاجتماعي

سلطت حلقة من برنامج "ملفات" الضوء على حقيقة هوية العشائر السورية، بوصفها مكوناً اجتماعياً أوسع وأكثر تعقيداً من الصورة التي اختزلتها الدراما السورية في اللهجة واللباس والشخصية الساخرة.

وناقش الباحث في التاريخ الاجتماعي السوري مهند الكاطع جذور التكوينات العشائرية وأدوارها، وفكك الصور النمطية المحيطة بها، متوقفاً عند علاقتها بالسلطة والثورة ومستقبل الدولة.

العشائر والهوية

ويؤكد الكاطع أن الانتماء العشائري ليس نقيضاً للمواطنة، ولا يعني بالضرورة عصبية سياسية أو طاعة عمياء لشيخ القبيلة؛ فهو امتداد اجتماعي وثقافي يتعايش مع مؤسسات الدولة الحديثة والهوية الوطنية الجامعة.

ولفهم هذا المكون، يوضح الباحث أن البنية القبلية تتدرج من جماجم كبرى إلى بطون وقبائل، ثم عشائر وأفخاذ وعائلات وأسر، بما يكشف تعدد مستويات الانتماء ويمنع الخلط بين المصطلحات المتداولة في وصف هذه البنية الاجتماعية.

أما مصطلح "الشوايا"، فيربطه الكاطع بنمط اقتصادي ومعيشي ارتبط بتربية الأغنام والاستقرار الزراعي، في مقابل رعاة الإبل والبدو الرحل؛ مشيراً إلى أن التسمية ليست اسماً جامعاً تستخدمه العشائر بالضرورة لتعريف نفسها أو هويتها المحلية في الاستخدام اليومي.

ولا يقتصر التكوين العشائري على العرب أو طائفة بعينها، وفق الكاطع؛ إذ توجد امتداداته بين الأكراد والعلويين والدروز والمسيحيين والشيشان والآشوريين، كما نشأت أحلاف قبلية ضمت جماعات مختلفة النسب بفعل الجغرافيا والمصالح المشتركة في مناطق البلاد.

العشائر والسلطة

تعود علاقة العشائر بالسلطة المركزية إلى قرون، حين اعتمدت الدولة العثمانية على زعماء القبائل لتأمين طرق البريد والقوافل في المناطق البعيدة عن مراكزها، مقابل أموال وامتيازات، ضمن ترتيبات عكست توازن المصالح والنفوذ على أطراف الإمبراطورية العثمانية.

وفي عام 1691، بدأت سياسة عثمانية لتوطين العشائر، استهدفت الحد من تحركات القبائل الوافدة من نجد وحماية المزروعات، إلى جانب تشجيع الزراعة في الجزيرة الفراتية وحوض الفرات، عبر منح الأراضي وتحويل الرعاة إلى مستقرين وتعزيز الاستقرار المحلي.

لكن الاستقرار الزراعي ظل محدوداً بفعل ضعف الأدوات والمكننة، وبقاء النفوذ القبلي، قبل أن تتوسع زراعة الأراضي خلال الانتداب الفرنسي؛ إذ تعاملت الإدارة الجديدة مع شيوخ القبائل بوصفهم ملاكاً كباراً، وشجعتهم على استثمار مساحات واسعة.

وبعد الاستقلال، تراجعت الأدوار السياسية والاقتصادية التقليدية لشيوخ العشائر مع إلغاء امتيازات قانون شؤون البدو والإصلاح الزراعي والتأميم، غير أن توزيع الأراضي في مناطق الجزيرة والفرات جرى أحياناً داخل العشائر، ولم يقطع صلاتها بالمجتمع المحلي.

الدراما والسياسة

وعلى المستوى الثقافي، حمّل الكاطع الدراما السورية مسؤولية ترسيخ صورة مشوهة للعشائر، عبر شخصيات هزلية ولهجات موضع سخرية وملابس اختُزلت في الجهل والتخلف؛ ورأى أن تكرارها غذّى ازدراء أبناء المدن للأرياف، بما عمّق الفجوة بين مكونات المجتمع السوري.

أما الثورة السورية، فلم تحرك العشائر بوصفها كتلة واحدة؛ فقد تباينت مواقف الأفراد والعائلات بين النظام والمعارضة وقسد، ولم يكن قرار الشيخ ملزماً، كما حجبت مواقف بعض الشخصيات المؤثرة هذا التنوع داخل القبيلة.

وفي ملف النفط، يربط الكاطع بين اتساع الوعي بثروات الجزيرة السورية والمطالبة بالتنمية، إذ تعاني مناطق غنية بالموارد نقص الطرق والمياه وتلوث البيئة وضعف الخدمات الصحية والتعليمية؛ بينما استفادت شخصيات وفصائل من عائدات الحقول دون أن ينعكس ذلك على السكان.

ويحذر من أن النزوح والتهجير وتدهور الخدمات أفرغت قرى وأخلت بالتوازن بين الريف والمدن، وأنتجت حساسيات مناطقية وعشائرية؛ داعياً إلى تنمية متوازنة وإعادة تأهيل الأطراف، بما يتيح عودة السكان ويخفف الضغط عن المدن الكبرى على المدى البعيد.

ويؤكد الكاطع أن العشيرة تسهم في التكافل والصلح والإغاثة، ويرفض تعميم اتهامها بحماية المجرمين؛ لكنه يشدد على أن المرجعية النهائية للقانون، وأن حضور الدولة يحول دون تفاقم النزاعات وتحول الأعراف إلى بديل عن العدالة والاحتكام إلى المؤسسات الرسمية.

ويرى أن مستقبل العلاقة يقتضي الاعتراف بالعشائر مكوناً اجتماعياً وثقافياً، وإتاحة دور منظم لها في السلم الأهلي ضمن إطار قانوني أو مجلس ممثل، مع اختيار مسؤولي الدولة على أساس الكفاءة، وتوجيه التنمية للمناطق المهمشة بعيداً عن المحاصصة وتدجين الشيوخ.

المصدر: وكالات

اقرأ أيضاً