أسئلة أمنية تلاحق هجوم كنيسة الكرك
رغم القبض على المنفذين الثلاثة أحياء، لا تزال أسئلة مفتوحة تحيط بهجوم كنيسة قرية حمود في الكرك، من السلاح المستخدم إلى طبيعة الدعم المحتمل.
لا تزال أسئلة أمنية تحيط بهجوم كنيسة قرية حمود في محافظة الكرك جنوبي الأردن، رغم انتهاء العملية الأمنية التي أعقبت الهجوم وأسفرت عن سقوط 9 ضحايا، والقبض على المنفذين الثلاثة أحياء.
وتتركز التساؤلات حول طبيعة الأسلحة المستخدمة، وأسباب استمرار الاشتباكات نحو 3 ساعات، واحتمالات حصول المنفذين على دعم لوجستي، وكيفية تشكل "المجموعة المتطرفة" بعيداً عن الرصد الأمني المسبق.
تفاصيل المواجهات
وتزداد أهمية هذه الأسئلة في ضوء ما أعلنه مدير الأمن العام الأردني، اللواء عبيد الله المعايطة، بشأن "عدم وجود تخطيط مسبق للهجوم على الكنيسة".
ويقول مصدر أردني إن سرعة إلقاء القبض على المنفذين كانت مهمة، لكن الأهم هو القبض عليهم وحماية المدنيين ورجال الأمن من أي اعتداءات إضافية قد يرتكبها المسلحون.
ويضيف المصدر، الذي طلب حجب اسمه، أن المنفذين ارتكبوا جريمتهم بوجوه مكشوفة، وهو ما عزز المخاوف من إقدامهم على مزيد من أعمال العنف، خصوصاً أنهم لم يكونوا "يشعرون بأن لديهم ما يخسرونه".
ويؤكد أن وجود المسلحين داخل منطقة سكنية كان عاملاً رئيسياً في إطالة أمد الاشتباكات، إذ فرض على القوات الأمنية التعامل بحذر مع محيط المبنى الذي تحصنوا فيه، تفادياً لتعريض السكان أو أفراد القوة المداهمة للخطر.
ويكشف المصدر ذاته أن الأجهزة الأمنية استعانت بروبوتات متطورة وطائرات مسيّرة للتحقق من مواقع المسلحين داخل المبنى، ومتابعة وضعهم والتأكد من بقائهم على قيد الحياة، إلى جانب تقييم قدرتهم على مواصلة الاشتباك، تمهيداً لإلقاء القبض عليهم أحياء.
طبيعة الأسلحة والدعم
ومن بين الأسئلة التي أثارها الهجوم طبيعة الأسلحة التي كانت بحوزة المنفذين، وكيفية وصولها إليهم، خصوصاً في ضوء كمية الذخائر التي استخدمت خلال المواجهات.
ويشير العميد المتقاعد فايز الشبيكات الدعجة إلى أن بندقية "إم 16" (M16) أمريكية الصنع، وتُعد من أشهر البنادق العسكرية الأمريكية، ويقابلها من حيث الشهرة والانتشار سلاح الكلاشنيكوف الروسي.
ويضيف أن هذا النوع من البنادق "متداول في الأردن وتستخدمه جهات عاملة في الأجهزة الأمنية، كما تستخدمه دول تتعامل عسكرياً مع الولايات المتحدة"، ولا يستبعد وصول مثل هذه الأسلحة إلى الأفراد بصورة غير مشروعة عبر عمليات التهريب، شأنها شأن أنواع أخرى منها.
كما يبرز سؤال آخر يتعلق بطبيعة المساعدات اللوجستية التي ربما حصل عليها المنفذون، سواء من حيث توفير الأسلحة والذخائر أو غيرها من المعدات اللازمة لتنفيذ الهجوم ومواصلة الاشتباك مع القوات الأمنية.
ولم يتبين حتى الآن ما إذا كان المنفذون قد تلقوا دعماً من أشخاص آخرين، أو كانت لديهم اتصالات بجهات محلية أو خارجية، أو أنهم حصلوا على الأسلحة والذخائر بوسائلهم الخاصة.
كما أن الإصابات البالغة التي تعرض لها المنفذون حالت دون مباشرة تحقيقات موسعة وكاملة معهم، مما أبقى عدداً من الأسئلة المتعلقة بمصادر التسليح والدعم والاتصالات المحتملة دون إجابات نهائية.
خلفيات المنفذين
ويفتح إعلان مدير الأمن العام الأردني بشأن غياب التخطيط المسبق للهجوم نقاشاً حول طبيعة المجموعة التي نفذته، خصوصاً أن المنفذين الثلاثة تربطهم صلات قرابة ومصاهرة، إذ إن اثنين منهم شقيقان، والثالث نسيبهما.
ويرى الباحث ومدير البرامج في معهد السياسة والمجتمع حسين الصرايرة أن فهم هجوم كنيسة قرية حمود يتطلب النظر إلى الخلفيات الشخصية والاجتماعية للمنفذين، وطبيعة علاقتهم السابقة بالمؤسسات الأمنية والقانونية، إلى جانب العوامل الفكرية والاقتصادية والسياسية التي قد تسهم في نشوء التطرف وتحوله إلى سلوك عنيف.
ويشير الصرايرة إلى أن اثنين من المتهمين، وهما شقيقان، لديهما سوابق قضائية، موضحاً أن الأول، هزاع، سبق توقيفه وسجنه نحو 6 سنوات، على خلفية إدانته بجنايتي "المؤامرة بقصد القيام بأعمال إرهابية والترويج لأفكار تنظيم الدولة الإسلامية، قبل الإفراج عنه خلال العام الجاري".
أما شقيقه مشعل، فيقول الصرايرة إنه سبق توقيفه وسجنه على خلفية حادث سير تسبب في وفاة فتاة، ثم أُفرج عنه إثر تنازل ذويها عن حقهم الشخصي في القضية.
ويضيف أن التطرف لا ينشأ نتيجة عامل منفرد، بل يتشكل عبر تفاعل مجموعة من المؤثرات، تبدأ بالتنشئة الأسرية والاجتماعية، وتمر بعلاقات الأقران والتعرض للمعلومات المغلوطة والخطابات المتشددة، وصولاً إلى الظروف السياسية والاقتصادية والإقليمية المحيطة.
ويلفت إلى أن الشعور بانعدام العدالة والتصادم مع مؤسسات الدولة قد يتحول لدى بعض الأفراد إلى مصدر للغضب والرغبة في الانتقام، خصوصاً عندما يتشكل اقتناع بأن المنظومات القانونية والسياسية لا تستوعبهم أو لا تتيح لهم فرص الاندماج.
ويحذر الصرايرة من أن الاقتصار على العقوبات السالبة للحرية، دون برامج تأهيل ومراجعة فكرية فعالة، قد يؤدي إلى نتائج عكسية، إذ يمكن أن تتحول بعض السجون إلى بيئات لتكوين العلاقات والشبكات المتطرفة بدلاً من تفكيكها.
ويضيف أن بعض الأفراد قد يدخلون السجن على خلفية قضايا محدودة مرتبطة بالمحتوى المتطرف أو الجرائم الإلكترونية، ثم يخرجون منه وقد تبنوا أفكاراً أكثر تشدداً نتيجة احتكاكهم بأشخاص أو مجموعات متطرفة، مشدداً على أهمية تطوير برامج التأهيل وإعادة الإدماج للحد من هذه الأخطار.
ويحدد الصرايرة مجموعة من العوامل الإقليمية يرى أنها تسهم في توفير بيئة خصبة للتطرف، وفي مقدمتها الحروب وجرائم الحرب وازدواجية المعايير الدولية والشعور بانعدام العدالة، ولا سيما في الأراضي الفلسطينية ولبنان وسوريا والعراق واليمن والسودان.
ويضيف أن الأزمات الاقتصادية المتراكمة منذ عام 2008، وما رافقها من ارتفاع معدلات البطالة والتضخم واتساع مشاعر الحرمان والعجز، تشكل عوامل ضغط إضافية قد تتداخل مع الإحباط الاجتماعي والسياسي لدى بعض الشباب.