دراسات تكشف كيف قد يصدم حوت العنبر السفن
تشير دراسات ومشاهدات إلى أن بنية رأس حوت العنبر قد تساعده على توجيه صدمات قوية، لكن دوافع اصطدامه بالسفن لا تزال غير محسومة.
تشير دراسات ومشاهدات علمية إلى أن بنية رأس حوت العنبر قد تساعده على توجيه صدمات قوية، فيما لا تزال دوافع اصطدامه بالسفن غير محسومة. وتعيد هذه الأبحاث النظر في حادثة السفينة «إسيكس»، التي أغرقها حوت عنبر عام 1820.
في 20 نوفمبر/تشرين الثاني من ذلك العام، شاهد توماس نيكرسون، وكان يبلغ من العمر 15 عاما، حوتا يندفع نحو السفينة، قبل أن يصطدم بها مرتين ويؤدي إلى غرقها. ودوّن نيكرسون روايته للأحداث عام 1876، فيما استلهم هيرمان ملفيل من الحادثة روايته «موبي ديك»، الصادرة عام 1851.
بنية الرأس ووظائفها
يشكل رأس حوت العنبر نحو ثلث طول جسمه، ويضم دماغا يصل وزنه إلى 9 كيلوغرامات، إلى جانب بنيتين دهنيتين كبيرتين تحيطان بأجزاء من جهازه الصوتي: عضو العنبر، المعروف باسم «العلبة» أو «الكيس»، والأكياس الدهنية الأمامية، المعروفة بـ«الجانك».
يحتوي عضو العنبر على مادة زيتية شمعية، وقد تصل سعته إلى نحو ألفي لتر في بعض التقديرات. ويُسهم العضو في توجيه النقرات الصوتية التي ينتجها الحوت لتحديد مواقع الفرائس بالصدى، فيما تشير فرضيات أخرى إلى احتمال ارتباط بنية الرأس بالطفو والغوص.
وتكون هذه البنى أكبر لدى الذكور منها لدى الإناث، وهو تفاوت يتوافق مع فرضية دورها في الصدامات بين الذكور خلال التنافس. وقد قُتل نحو 300 ألف حوت عنبر خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر للاستفادة من المادة الزيتية في الوقود والشموع وزيوت الإضاءة ومنتجات أخرى، قبل أن توقف اللجنة الدولية لصيد الحيتان الصيد التجاري بالكامل بعد موسم عام 1984.
أدلة على قوة الاصطدام
في دراسة نُشرت عام 2002، طرح باحثون احتمال أن تؤدي مقدمة رأس حوت العنبر وظيفة شبيهة بكبش الصدم خلال التنافس بين الذكور. وأشارت ملاحظات سلوكيات التصادم لدى حيتانيات مختلفة ونماذج ميكانيكية إلى أن اندفاع الحوت قد يولد زخما قادرا على إلحاق إصابة خطيرة بحوت آخر.
ورصدت تسجيلات جوية التُقطت بطائرات مسيرة في جزر الأزور وجزر البليار بين عامي 2020 و2022 حيتان عنبر تتقابل وجها لوجه وتصطدم رؤوسها. وبلغت سرعة أقوى صدمة مسجلة لحوت ذكر يافع 4.5 أمتار في الثانية، وقدّر الباحثون قوتها بنحو 460 كيلونيوتن.
وبحسب نماذج حسابية، قد تصل قوة اصطدام حوت بالغ وضخم إلى نحو 1200 كيلونيوتن إذا اندفع بالسرعة نفسها، بما يشبه التعرض لصدمة حافلة تسير بسرعة 65 كيلومترا في الساعة. كما وجدت دراسة نُشرت عام 2016 أن الحواجز المصنوعة من الأنسجة الضامة داخل الأكياس الدهنية الأمامية قد تمتص إجهاد الصدمة وتحمي الجمجمة من الكسر.
ولا تثبت هذه النتائج أن حوتا يستطيع إغراق سفينة، لكنها تدعم احتمال أن يكون رأسه قادرا على إحداث أضرار جسيمة. ويرى توماس جيفرسون، الباحث المستقل في مركز أبحاث مصايد الأسماك في جنوب غرب المحيط الهادئ التابع للإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي الأمريكية، أن تكرار الاصطدام أو تسارع الحوت قبل الارتطام قد يشيران إلى تعمده.
حوادث تاريخية ودوافع غير محسومة
تتضمن السجلات التاريخية 3 حوادث شهيرة نُسب فيها تحطيم سفن رئيسية إلى حيتان العنبر، منها السفينة «آن ألكسندر» عام 1851 والسفينة «كاثلين» عام 1902. وفي عام 2007، اصطدم حوت ذكر بالغ بسفينة الأبحاث «إم في كاهانا»، التي يبلغ طولها 56.4 مترا، قرب جزيرتي سايبان وتينيان.
وفي دراسة نُشرت عام 2017، حلل توماس وزملاؤه ملابسات حادثة «إم في كاهانا»، وخلصوا إلى أن الاصطدام يرجح أن يكون متعمدا، بعدما أظهر التسجيل المصور أن الحوت اتجه نحو السفينة من مسافة تقارب 150 مترا وزاد سرعته قبل أن يصطدم بمقدمتها. ومع ذلك، يرجح توماس أن معظم الاصطدامات الموثقة تقع عرضا، إذ قد تصطدم السفن بالحيتان البطيئة السباحة عندما تكون عند سطح الماء.
ومن التفسيرات المحتملة للاصطدام المتعمد أن يوجه الذكر عدوانه نحو سفينة بعد منافسة مع ذكور أخرى، أو أن يعدّها تهديدا. ويرى توماس أن حادثة «إسيكس» ربما كانت متعمدة، مشيرا إلى أن صيادي الحيتان كانوا يطعنون حيتانا بالحراب، وأن صوت الطرق على متن السفينة ربما شابه نقرات حوت منافس.
بعد غرق «إسيكس»، فر نيكرسون و19 رجلا آخرين في 3 قوارب صغيرة مكشوفة، على بعد حوالي 2000 كيلومتر من أقرب يابسة. وبعد نحو 3 أشهر، أنقذت السفينة «إنديان» نيكرسون ورجلين آخرين، وأصبحت الحادثة لاحقا مصدر إلهام لأعمال أدبية وسينمائية.