أزمة الرقائق ترفع أسعار الهواتف الذكية 14% عالميا
ارتفعت أسعار الهواتف الذكية عالميا 14% في الربع الأول، مع اتساع الضغط على سوق الرقائق بفعل الطلب المرتبط بالذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات.
ارتفعت أسعار الهواتف الذكية عالميا بنسبة 14% خلال الربع الأول من العام الجاري، مع امتداد أزمة الرقائق إلى المستهلكين بعد أن كانت محصورة في مصانع أشباه الموصلات وشركات التكنولوجيا الكبرى.
وتعكس هذه القفزة اختلالا متزايدا بين الطلب المتسارع على الرقائق، المدفوع بطفرة الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات، وقدرة المصانع على زيادة الإنتاج بالوتيرة نفسها، وسط تنافس شركات التكنولوجيا على المكونات والذاكرة المتقدمة في الأسواق العالمية.
ضغط على الذاكرة المتقدمة
وتتركز الضغوط على رقائق الذاكرة عالية النطاق الترددي المعروفة باسم "إتش بي إم" (HBM)، إذ يزيد الطلب عليها 200% مقارنة بالطاقة الإنتاجية المتاحة، فيما تبرز "إس كي هاينكس" بين المنتجين، ويُقدّر حجم سوق الرقائق العالمي بنحو تريليون دولار.
وقال خبير الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي محمد الخواجا خلال نافذة اقتصادية للجزيرة إن اتساع الفجوة كان متوقعا منذ نحو عامين، ناقلا عن الرئيس التنفيذي لـ"تي إس إم سي" تقديره بلوغ العجز 25 إلى 30% هذا العام أو في 2027.
ويربط الخواجا الاختلال بطبيعة الاستثمار في القطاع؛ فالتطبيقات والبرمجيات تتوسع بسرعة وبكلفة أقل نسبيا، بينما يتطلب إنتاج الرقائق مصانع وشبكات كهرباء وبنية تحتية ضخمة، ما يجعل زيادة المعروض أبطأ من نمو الطلب في المدى القريب.
المستهلكون تحت الضغط
وقال محلل أشباه الموصلات في "بلومبرغ إنتليجنس" جاك سيلفرمان إن الطلب المتزايد على الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية، إلى جانب مشاريع الحكومات، تجاوز قدرة شركات التصنيع على مواكبة السوق، بعدما لم يتوسع القطاع بما يكفي خلال السنوات الماضية.
وأشار سيلفرمان إلى أن ضعف الطلب في بعض أسواق الهواتف الذكية والحواسيب لم يعوض الزيادة الكبيرة التي أحدثها الذكاء الاصطناعي، خصوصا في قطاع الذاكرة، حيث تحتاج الخوادم إلى سعات أكبر ونطاق عريض أوسع لتشغيل التطبيقات المتقدمة.
ولا تقف التداعيات عند الشركات المطورة للأنظمة؛ إذ تتنافس "أبل" و"سامسونغ" مع "إنفيديا" وكبرى شركات الذكاء الاصطناعي على كميات محدودة من الذاكرة، ما يقلص المعروض للأجهزة الشخصية ويضغط على تكاليف تصنيعها في ظل محدودية الطاقة الإنتاجية.
ويرى سيلفرمان أن هوامش الربح المحدودة لدى مصنعي الأجهزة الشخصية لا تتيح لهم امتصاص زيادة تكاليف المكونات بسهولة، بخلاف شركات ذات هوامش أعلى مثل أبل، الأمر الذي يدفع المنتجين إلى تمرير جانب من الكلفة إلى المستهلكين.
وفي شأن التوتر التجاري بين واشنطن وبكين، لم يجزم سيلفرمان بأن القيود على تصدير المعدات المتقدمة فاقمت أزمة العرض والطلب، لكنه قال إنها تعقد عمل شركات صينية مثل "سي إكس إم تي" و"واي إم تي سي" المتخصصة في الذاكرة.
وأضاف أن استثمارات الصين في شركاتها المحلية وتوسع استخدام الذكاء الاصطناعي داخل السوق الصينية قد يزيدان المعروض الصيني عالميا، في حين تعمل "تي إس إم سي" التايوانية على توسيع قدراتها لدعم خوادم الذكاء الاصطناعي وتلبية احتياجات الأجهزة التقليدية.
وتتوقع "تي إس إم سي" أن يتجاوز سوق الرقائق العالمي 1.5 تريليون دولار بحلول 2030، مع استحواذ الذكاء الاصطناعي والحوسبة الفائقة على 55% منه، مقابل 20% للهواتف والأجهزة، و15% للصناعات وإنترنت الأشياء، و10% للسيارات الذكية.
استثمارات ضخمة وعوائد مؤجلة
وتتسع الاستثمارات؛ إذ قدّرت "مورغان ستانلي" إنفاق خمس شركات تكنولوجية كبرى بنحو 4.2 تريليونات دولار بين 2026 و2030، بينما توقع "غولدمان ساكس" تجاوز استثمارات الذكاء الاصطناعي تريليون دولار هذا العام، منها 581 مليار دولار في الولايات المتحدة.
وفي ترتيب الإنفاق المعروض، تتصدر أمازون بنحو 220 مليار دولار لتوسيع خدماتها السحابية ومراكز الحوسبة، تليها ألفابت بنحو 205 مليارات، ومايكروسوفت بـ170 مليارا، ثم ميتا بنحو 145 مليار دولار، مع توجيه استثماراتها لتعزيز خدمات الذكاء الاصطناعي.
كما استقطبت "أوبن إيه آي" و"أنثروبيك" 43% من إجمالي التمويل المغامر عالميا خلال النصف الأول من العام، بحسب "كرانش بيس"، لكن تدفق الأموال لا يعني أن الشركات بدأت جني عوائد تتناسب مع حجم الإنفاق من شركات التكنولوجيا الناشئة.
وفي استطلاع لشبكة "بي دبليو سي"، قال 56% من الرؤساء التنفيذيين إن شركاتهم لم تحقق حتى الآن فوائد مالية تذكر من استخدام الذكاء الاصطناعي، ما يبقي سؤال الربحية حاضرا في حسابات المستثمرين رغم ضخامة الاستثمارات.
ويقول الخواجا إن موعد تحول هذه الاستثمارات إلى أرباح لا يزال غير واضح، لكن تقديرات القطاع ترجح ظهور نتائج مالية واقتصادية كبيرة بحلول 2030، مع تفاوت التوقيت بين شركات التطبيقات التي تجني عوائد مبكرة ومطوري البنية التحتية.
وضرب مثالا بشركة "آب لوفين" التي ارتفع سهمها 30% في جلسة الخميس التي أشار إليها، في حين سجلت شركات كبرى تعمل في البنية التحتية تراجعات متفاوتة، بما يعكس اختلاف قدرة حلقات سلسلة التوريد على تحقيق الأرباح.
أما بشأن احتمال إبطاء الاستثمارات بفعل التغيرات السياسية في واشنطن، فيرى الخواجا أن دخول الديمقراطيين المنتخبين إلى الكونغرس العام المقبل لا يعني بالضرورة وقف مراكز البيانات المخطط لها في تكساس وولايات أخرى، مع توقع استخدام ترامب الفيتو لمواجهة بعض توجهاتهم.