مكتبة عبد الظاهر.. أربعة أجيال تحافظ على حرفة الطباعة اليدوية
منذ عام 1936، تحافظ مكتبة عبد الظاهر خلف الجامع الأزهر على الطباعة اليدوية والتجليد، فيما يواصل الجيل الرابع تعلّم الحرفة وتجديدها بصناعة الدفاتر.
تحافظ مكتبة عبد الظاهر، الواقعة خلف الجامع الأزهر في القاهرة، على حرفة الطباعة بالحروف المعدنية والتجليد اليدوي التي توارثتها العائلة عبر أربعة أجيال. ومع تراجع سوق الكتب القديمة، اتجه أصحابها إلى صناعة الدفاتر، مستفيدين من أدواتهم وأساليبهم التقليدية.
تتيح المكتبة لزوارها التعرف على طريقة الطباعة التي تبدأ باختيار الحروف من أدراجها وترتيبها يدويا، قبل تحبيرها وطبعها على الورق. وهي حرفة تتطلب مهارة اليد وصبر الصانع، وتعيد إلى الواجهة جانبا من تاريخ صناعة الكتب.
من غوتنبرغ إلى مكتبة عبد الظاهر
عرفت الصين طباعة كتاب "درة البوذية" عام 868 ميلادية باستخدام ألواح خشبية حُفرت عليها نصوص الصفحات، ثم غُطيت بالحبر وضُغطت على الورق. وبعد قرون، أسهم تطوير الألماني يوهانس غوتنبرغ للطباعة بالحروف المعدنية المتحركة في انتشار الكتب والمعرفة.
وتقوم الطباعة بالحروف المتحركة على جمع حروف منفصلة لتكوين الكلمات والصفحات، ثم تحبيرها والطباعة بها، قبل تفكيكها وإعادتها إلى الأدراج لاستخدامها مجددا. وفي مصر، مر تاريخ الطباعة الحديثة بمراحل عدة، من مطبعة الحملة الفرنسية إلى تأسيس المطابع الأميرية في عهد محمد علي باشا.
بدأت مكتبة عبد الظاهر عملها خلف الجامع الأزهر عام 1936، متخصصة في طباعة الكتب وتجليدها. وبعد وفاة مؤسسها قبل أن يتم السادسة والثلاثين من عمره، تولى ابنه محمد عبد الظاهر استكمال العمل، واتسع نشاط المكتبة لاحقا ليشمل ترميم الكتب القديمة.
ومن الأعمال التي مرت بين أيدي صناع المكتبة تفسير القرطبي، و"وصف مصر"، و"الخطط المقريزية"، وتاريخ الجبرتي، إلى جانب نسخ قديمة من المصحف حُفظ بعضها لاحقا في المتحف الإسلامي بالقاهرة.
أربعة أجيال وحرفة متجددة
تقول هند عبد الظاهر، البالغة من العمر 46 عاما، إن المكتبة شهدت تغييرات متعاقبة، لكنها احتفظت بطابعها التراثي وأدواتها القديمة. ومع تراجع سوق الكتب القديمة، اتجهت العائلة إلى صناعة دفاتر الملاحظات، أو "النوت بوك"، بأساليب الطباعة والتجليد التقليدية.
بدأت هند العمل في المكتبة عقب وفاة والدها عام 2014. وكانت قد أنهت دراستها في علوم الكمبيوتر، ثم تفرغت لأسرتها وتربية أبنائها، فيما تولى أشقاؤها الأربعة العمل مع والدهم، الذي لم يكن يشجع بناته على دخول المهنة، بحسب روايتها.
وبعد وفاة والدها، انتقل اثنان من أشقائها للعمل في فروع أخرى للمكتبة، فانضمت هند إلى شقيقيها للمشاركة في إدارة العمل وتطويره. وبذلك بدأت مرحلة جديدة في حياتها وفي تاريخ المكتبة.
أما الجيل الرابع، فيمثله يوسف، الابن الأكبر لهند، البالغ من العمر 20 عاما والدارس لإدارة الأعمال. وقد ارتبط بالمكتبة منذ كان في السابعة، وتعلم تفاصيل المهنة على أيدي أخواله.
وفي المكتبة، اكتشف يوسف أن عالم الحروف يتجاوز الأبجدية العربية ذات الحروف الثمانية والعشرين، إذ تضم الأدراج أكثر من 360 شكلا للحروف بحسب مواضعها في الكلمات وأشكال طباعتها. كما تعلم أن الحفاظ على "درج الحروف" ضروري لصون ميراث العائلة، في ظل ندرة صُنّاع هذه القطع المعدنية وصعوبة توفير خاماتها.
ويقول يوسف إن لكل حرف قيمته، وإن فقدانه يجعل العثور على بديل أو إعادة صناعته أمرا صعبا. وتضم أدراج المكتبة حروفا عربية وإنجليزية ويونانية، فيما يقتصر نشاط الترميم حاليا على الكتب العربية القديمة، وتتيح صناعة الدفاتر استخدام الحروف المتاحة لطباعة الأسماء والعبارات بلغات مختلفة.
من الأعمال الفنية إلى الدفاتر
امتد حضور المكتبة إلى أعمال فنية ومناسبات ثقافية؛ إذ تستعيد العائلة زيارة الفنان الراحل نور الشريف للمكتبة في التسعينيات بحثا عن كتب ومخطوطات تناسب أعماله التاريخية. وتولت المكتبة توفيرها وتجليدها بجلد الماعز.
ومن التجارب التي يرويها يوسف صناعة سجل ضيوف المتحف المصري الكبير، المخصص لتدوين كلمات المشاركين في افتتاحه. وضم الكتاب الضخم ألف ورقة، واستغرق العمل عليه والتجريب للوصول إلى مواصفات الورق والغلاف أشهرا.
عُتّقت أوراق السجل لمنحها لونا وملمسا يوحيان بالقدم، مع الحفاظ على قوتها وقدرتها على الاستخدام. أما غلافه، فصُنع من جلد ماعز صحراوي من الواحات، اختير ليتناسب مع حجم الكتاب وطبيعته.
وتواصل المكتبة استخدام الجلود الطبيعية بدرجات دباغتها المختلفة، إلى جانب تعتيق الورق وإضافة الأقفال النحاسية إلى بعض الدفاتر. ويرى يوسف أن خصوصية منتجات العائلة تنبع من اجتماع الحروف المجموعة يدويا مع خامة الورق وطريقة التجليد ولون الجلد وملمسه.
ومع صناعة الدفاتر، وجدت مكتبة عبد الظاهر مساحة جديدة لاستمرار حرفتها. ويواصل الجيل الرابع تعلم المهنة والبحث عن مكان لها في حياة قراء وكتّاب عصر جديد.