الثلاثاء 3 نوفمبر 2026 راديو ميديا مباشر: فقرة الأغاني فيسبوك إكس يوتيوب
الخبر كما يحدث

لماذا تعيد إسرائيل مراجعة فهمها لحماس؟

أعادت إخفاقات الاستخبارات الإسرائيلية في توقع هجوم طوفان الأقصى فتح النقاش حول فهم حماس، مع توجه الشاباك لإنشاء مدرسة للدراسات الإسلامية.

م
فريق ميديا
نُشر: · 4 دقائق قراءة
f 𝕏 W
لماذا تعيد إسرائيل مراجعة فهمها لحماس؟

دفعت إخفاقات أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية في توقع هجوم طوفان الأقصى إلى إعادة النظر في أساليب دراسة حركة حماس وفهم توجهاتها، بعدما أظهرت المراجعات التي أعقبت الهجوم قصورا في تقدير تأثير الأفكار الدينية على قرارات الحركة. وفي هذا السياق، اعتزم جهاز الأمن العام (الشاباك) إنشاء مدرسة متخصصة في الدراسات الإسلامية، بمبادرة من رئيس الجهاز ديفيد زيني.

ومن المقرر أن تعمل المدرسة بالتوازي مع المعهد التابع للشاباك لتعليم اللغة العربية، بحيث تستعين بأكاديميين وخبراء ومسؤولين أمنيين حاليين وسابقين، لتدريس الإسلام وتياراته ومذاهبه وتفسيراته، مع التركيز على الموضوعات المرتبطة بالتحديات الأمنية التي يواجهها الجهاز.

جدل حول الأيديولوجيا والدوافع

وجاءت المبادرة بعدما خلصت المراجعات الإسرائيلية إلى أن أجهزة الاستخبارات لم تستوعب بصورة كافية أيديولوجيا حماس، ولا التطورات التي طرأت على توجهاتها بعد الإفراج عن يحيى السنوار عام 2011، فضلا عن استمرار تأثير أفكار مؤسس الحركة الشيخ أحمد ياسين في إستراتيجيتها. ورغم امتلاك إسرائيل معلومات استخبارية عن استعدادات حماس قبيل طوفان الأقصى، فإن الاعتماد على استخبارات الإشارات والقدرات السيبرانية جاء على حساب الخبرات المتخصصة في الفكر الإسلامي والثقافة الفلسطينية.

وتتواكب خطوة تأسيس مدرسة الدراسات الإسلامية مع صدور دراسات إسرائيلية تبحث مكانة الأيديولوجيا الدينية في قرارات حماس، وما إذا كانت الأجهزة الأمنية قد بالغت في تقدير تأثير المصالح الاقتصادية ومسؤوليات الحكم على سلوك الحركة، مقابل التقليل من أهمية تصوراتها الدينية بشأن الصراع. وتبرز في هذا السياق دراستان صادرتان عن معهد مائير عميت، ومعهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، تتناولان العلاقة بين العقيدة الدينية والحسابات السياسية، وتقدمان تفسيرين مختلفين نسبيا لقرار قيادة حماس شن هجوم طوفان الأقصى.

بين دراستين

في 8 أكتوبر/تشرين الأول 2026، نشر مركز معلومات الاستخبارات والإرهاب، المعروف باسم "معهد مائير عميت"، دراسة للباحث أوري روسيت بعنوان "دور الأيديولوجيا الدينية لحماس في تخطيط وتنفيذ هجوم 7 أكتوبر 2023". وقد اعتمدت الدراسة على تصريحات قادة حركة حماس، ووثائق استولى عليها جيش الاحتلال خلال الحرب في قطاع غزة، فضلا عن الأدبيات الدينية المستخدمة في إعداد عناصر الحركة وتدريبهم.

أما الدراسة الثانية، فتحمل عنوان "دور الأيديولوجيا في سلوك الفاعلين الإسلاميين"، وصدرت عن معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي. وتستند الدراسة إلى ندوة عقدها المعهد في 6 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، بمشاركة عدد من الباحثين الذين يجمعون بين الخبرة الأكاديمية والعمل في المؤسسات الأمنية والاستخبارية، ومن بينهم راز تسيمت، ومائير ليتفاك، ومايكل ميلشتاين، ويوحنان تسوريف.

وتختلف طبيعة الدراستين، فدراسة معهد "مائير عميت" تتبنى أطروحة محددة ترى أن الاعتبارات الدينية أدت دورا حاسما في قرار حماس شن الهجوم، وأن الحركة شهدت ميلا نحو تصورات أقرب إلى "التيارات الجهادية". أما دراسة معهد الأمن القومي فتعرض نقاشا بين باحثين لا يتفقون جميعا على وزن العامل الديني، إذ يرى بعضهم أن الأيديولوجيا تعرضت للتهميش في التقديرات الإسرائيلية، بينما يعتبر آخرون أن قرار الهجوم يمكن تفسيره بحسابات إستراتيجية مرتبطة بالقضية الفلسطينية والتوازنات الإقليمية.

لماذا أخفقت إسرائيل؟

ترجع دراسة معهد مائير عميت الأسس الأيديولوجية لحماس إلى نشأتها في ديسمبر/كانون الأول 1987 بوصفها امتدادا فلسطينيا لجماعة الإخوان المسلمين، وتستند إلى الميثاق التأسيسي الصادر عام 1988، الذي عرف الإسلام على أنه المرجعية التي تستمد منها الحركة أفكارها وتصوراتها، واعتبر فلسطين أرض وقف إسلامي لا يجوز التنازل عن أي جزء منها.

وفي مايو/أيار 2017، أصدرت حماس "وثيقة المبادئ والسياسات العامة"، التي عرفت الحركة بأنها حركة تحرر ومقاومة وطنية فلسطينية إسلامية، وأبدت قبولا بإقامة دولة فلسطينية على حدود الرابع من يونيو/حزيران 1967 باعتبارها صيغة للتوافق الوطني، دون الاعتراف بشرعية إسرائيل أو التخلي عن المطالبة بفلسطين التاريخية. وترى دراسة معهد مائير عميت أن هذه التعديلات جاءت في سياق أزمة واجهتها الحركة، ما دفعها لمحاولة إظهار قدر أكبر من المرونة دون تغيير أهدافها الرئيسية.

من القضايا التي حظيت باهتمام المشاركين في نقاش معهد الأمن القومي التمييز بين "البراغماتية" و"الاعتدال الأيديولوجي". فقد أشار بعض المشاركين إلى أن الأجهزة الإسرائيلية فسرت انخراط حماس في إدارة قطاع غزة، واهتمامها بتوفير الخدمات العامة، وسعيها للحصول على تسهيلات اقتصادية، باعتبارها مؤشرات على أن الحركة أصبحت أكثر اهتماما بالحفاظ على سلطتها وأقل استعدادا للمغامرة.

وفي المقابل، اعتبر مشاركون آخرون أن هذا الاستنتاج يقوم على فهم غير دقيق للعلاقة بين الأيديولوجيا والمصالح، لأن الحركات الدينية قد تستخدم الوسائل البراغماتية لتحقيق أهداف أيديولوجية ثابتة. وفي هذا السياق، شدد المشاركون على أن البراغماتية تتعلق باختيار الوسائل الملائمة لتحقيق الأهداف، لا تغيير الأهداف.

لا تقتصر الانتقادات التي تتضمنها دراستا مائير عميت ومعهد الأمن القومي على تقدير نوايا حماس، بل تمتد إلى المناهج المستخدمة في تحليل سلوك الخصوم. فقد أشار باحثون مشاركون في نقاش معهد الأمن القومي إلى تراجع إتقان اللغة العربية والمعرفة بتاريخ المنطقة وثقافتها لدى قطاعات من العاملين في المؤسسات الأكاديمية والإعلامية والاستخبارية الإسرائيلية، بالتزامن مع تنامي الاعتماد على البيانات الضخمة والترجمة الآلية والتقنيات الحديثة.

وتتناول دراسة مائير عميت ذات المشكلة من خلال مفهوم "الصورة المرآوية" (Mirror Imaging)، الذي يشير إلى ميل المحلل إلى تفسير سلوك الطرف الآخر وفق منظومة القيم والافتراضات التي تحكم تفكيره هو. وقد أسهم هذا النمط من التفكير في تقليل أهمية بعض المؤشرات المتعلقة باستعداد حماس لتنفيذ عملية الطوفان.

وفي المحصلة، تركز المراجعات الإسرائيلية على أسباب الإخفاق في توقع هجوم طوفان الأقصى، وعلى الحاجة إلى الجمع بين دراسة الأفكار والوثائق والتصريحات من جهة، وتحليل القدرات والمصالح والظرف السياسي من جهة أخرى. كما تكشف مبادرة الشاباك عن محاولة لترجمة هذه الاستنتاجات إلى تغييرات في طريقة إعداد الكوادر الأمنية.

المصدر: وكالات

اقرأ أيضاً