الأحد 1 نوفمبر 2026 راديو ميديا مباشر: قران كريم فيسبوك إكس يوتيوب
الخبر كما يحدث

ترمب يضغط على منظومة البحث العلمي في أمريكا

تتعرض منظومة البحث العلمي الأمريكية لضغوط غير مسبوقة في عهد دونالد ترمب، وسط تقليص وظائف وإلغاء منح وتزايد التدخل السياسي.

م
فريق ميديا
نُشر: · 5 دقائق قراءة
f 𝕏 W
ترمب يضغط على منظومة البحث العلمي في أمريكا

تواجه المؤسسات العلمية الأمريكية ضغوطا تمتد من تقليص التمويل وإلغاء المنح إلى التأثير في الكوادر والاستقلال الأكاديمي وآليات اتخاذ القرار، ما يهدد موقع الولايات المتحدة في سباق التفوق العلمي والتكنولوجي العالمي.

وتقول "نيويورك تايمز" إن إدارة الرئيس دونالد ترمب تضع منظومة البحث العلمي الأمريكية تحت ضغط غير مسبوق، في وقت تقترب فيه الصين من منافستها على قيادة البحث العلمي العالمي. ورغم أن الإنفاق الفدرالي على البحث العلمي لا يزال يقارب 200 مليار دولار سنويا في عام 2026، فإن المؤسسات البحثية تعاني نقص الموظفين وتعطيل المنح وتزايد التدخل السياسي في تحديد أولوياتها.

ثلاثة محاور

وتحدد الصحيفة 3 محاور رئيسية لسياسات الإدارة: تقليص الوظائف وإلغاء المنح ضمن حملة إدارة كفاءة الحكومة التي قادها إيلون ماسك، والضغط على الجامعات باستخدام التمويل الفدرالي لدفعها إلى تبني تغييرات تتوافق مع توجهات البيت الأبيض، ومساعي مدير مكتب الموازنة في البيت الأبيض، راسل فوت، لزيادة السيطرة السياسية على كيفية إنفاق الأموال التي يخصصها الكونغرس للبحث العلمي.

وتظهر آثار هذه السياسات في تراجع أعداد العلماء والباحثين داخل مؤسسات حكومية رئيسية. فقد فقدت وزارة الطاقة أكثر من ألف عالم وموظف فني، وتقلص عدد العاملين في المعاهد الوطنية للصحة بنحو الخُمس، وفي المؤسسة الوطنية للعلوم بنحو الثلث.

كما فقدت وكالة الفضاء الأمريكية "ناسا" نحو 20% من موظفيها الحاصلين على الدكتوراه، بينهم كبيرة علمائها كاثرين كالفن، التي ألغت الإدارة منصبها. ولم تقتصر التداعيات على الوظائف، بل حجبت المؤسسة الوطنية للعلوم أكثر من مليار دولار من الأموال التي خصصها الكونغرس للأبحاث، بينما أرجأت المعاهد الوطنية للصحة أو ألغت أكثر من ألفي منحة لمشروعات طبية تتناول أمراضا مثل ألزهايمر والسرطان وغيرهما.

وتورد الصحيفة مثال عالمة الأعصاب آن كوهين، من جامعة بيتسبرغ، التي كانت تقود دراسة تمتد 5 سنوات لفهم تأثير الضغوط والمشكلات الصحية في مراحل مبكرة من العمر على احتمالات الإصابة بألزهايمر. لكن المعاهد الوطنية للصحة أوقفت المنحة في أغسطس/آب الماضي، بحجة أن المشروع يركز على العنصرية البنيوية، وهو توصيف قالت كوهين إنه لا يعكس طبيعة البحث.

وتشير الصحيفة كذلك إلى إلغاء منحة لمشروع في جامعة جورج ميسون كان يهدف إلى تشجيع الطلاب الأمريكيين على العمل في مجال تكنولوجيا الكم، بعدما تضمن طلب التمويل إشارات إلى الطلاب من خلفيات متنوعة.

خشية الجامعات من خسارة التمويل

أما الجامعات، فقد وجدت نفسها أمام معضلة بين مواجهة الإدارة والتكيف مع مطالبها خشية خسارة التمويل. وبينما لجأت جامعات مثل هارفارد إلى القضاء، اختارت مؤسسات أخرى التفاوض، فيما بدأ باحثون في تعديل لغة مقترحاتهم وتقليص نطاق مشروعاتهم لتجنب إثارة اعتراضات سياسية.

وتقول دوروتا غراينر برزينسكا، نائبة رئيس جامعة ويسكونسن ماديسون لشؤون البحث، إن التغييرات المستمرة تجعل التخطيط طويل الأمد أمرا بالغ الصعوبة، رغم أن البحث العلمي بطبيعته نشاط يحتاج إلى سنوات من الاستقرار. وقد أعادت المحاكم وبعض التسويات مليارات الدولارات إلى الجامعات، لكن فترات التوقف وتبدل الأولويات تسببت في تأخير تجارب ومشروعات أو تعطيلها.

حتى الدفاع والطاقة النووية

وتلفت "نيويورك تايمز" إلى أن الضرر امتد حتى إلى المؤسسات التي تعمل في مجالات تعلن إدارة ترمب أنها من أولوياتها، وفي مقدمتها الدفاع والطاقة النووية والذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية. فقد حذّر تقرير لوزارة الدفاع من أن مختبراتها البحثية فقدت نحو 14% من موظفيها، وأن صعوبة تعويض الكفاءات المغادرة قد تؤدي إلى تعطيل أبحاث دفاعية مهمة.

وفي مثال آخر، ألغت البحرية الأمريكية تمويلا لمشروع في معهد جورجيا للتكنولوجيا كان يطور اختبارات تساعد على اختيار مراقبي الحركة الجوية والطيارين وغيرهم من العاملين في الوظائف العسكرية المعقدة. كما تبرز المفارقة في وزارة الطاقة، التي تشرف على مبادرة "جينيسيس" التي أطلقها ترمب لتسريع الاكتشافات العلمية باستخدام الذكاء الاصطناعي، بينما فقدت الوزارة نحو ربع موظفيها منذ عودته إلى البيت الأبيض، وتراجع تمويل مكتبيها الرئيسيين للعلوم بأكثر من الربع خلال السنة الأولى من ولايته الثانية، بانخفاض تجاوز نصف مليار دولار.

صعود المنافسين الآخرين

ولا تقف المخاوف عند حدود المؤسسات الأمريكية. فالصين تضيق الفجوة مع الولايات المتحدة في عدد من مؤشرات التفوق البحثي، بما فيها تصنيفات الجامعات وتأثير الأبحاث المقاس بالاستشهادات العلمية، بينما بدأت دول أخرى استغلال حالة الاضطراب لاستقطاب العلماء الأمريكيين والأجانب.

وأعلنت أستراليا برنامجا لجذب المواهب العالمية، وخصصت كندا أكثر من مليار دولار لاستقطاب ألف باحث دولي. كما نجحت الصين في استقطاب عالم حائز جائزة نوبل في الكيمياء من جامعة كاليفورنيا في بيركلي لقيادة معهد في بكين يوظف الذكاء الاصطناعي في اكتشاف مواد جديدة.

وتحذر الصحيفة من أن تداعيات تقويض البحث الأساسي قد لا تظهر فورا، لأن الاكتشافات العلمية تحتاج غالبا إلى عقود قبل أن تتحول إلى تقنيات وعلاجات ومنتجات تغير حياة الناس. فالأبحاث الفدرالية التي بدأت في أواخر أربعينيات القرن الماضي أسهمت في تطوير الساعات الذرية التي مهدت لنظام تحديد المواقع العالمي، كما قادت اكتشافات في السبعينيات إلى تطوير أدوية منقذة للحياة لعلاج السرطان.

حجج الإدارة

في المقابل، ترفض إدارة ترمب هذه الانتقادات، وتقول إن الرئيس يقود "عصرا ذهبيا جديدا" للعلم الأمريكي عبر تحديث المؤسسات وتوجيه التمويل نحو الأبحاث الأكثر جدوى، وتعزيز دور القطاع الخاص والذكاء الاصطناعي. كما تؤكد أن كثيرا من الموظفين غادروا وظائفهم طوعا، وأن الجامعات نفسها اتخذت قرارات خفض قبول طلاب الدكتوراه بسبب ظروف التمويل.

لكن الرئيسة السابقة للأكاديمية الوطنية للعلوم مارسيا ماكنوت، تحذر من أن تراجع القدرة العلمية لا يمكن إصلاحه بسهولة بعد ظهور نتائجه. وتقول إن العلم "لعبة طويلة الأمد"، وإن الولايات المتحدة قد تدرك خسارتها حين يصبح استعادة موقعها أمرا متعذرا.

وتخلص الصحيفة إلى أن الخطر لا يكمن فقط في تراجع عدد العلماء أو الأموال المخصصة للأبحاث، بل في إضعاف منظومة متكاملة قامت على الاستقرار والاستقلال العلمي والشراكة بين الحكومة والجامعات. وهذه المنظومة صنعت كثيرا من عناصر القوة الأمريكية، لكن استمرار إخضاعها للحسابات السياسية قد يمنح المنافسين، وفي مقدمتهم الصين، فرصة لانتزاع موقع الريادة العلمية من واشنطن.

المصدر: وكالات

اقرأ أيضاً